أفكار عن مشروع نظام مكافحة التحرش

نايف معلا |

في اليوم التالي لصدور الأمر السامي المتعلق بالسماح للمرأة بقيادة السيارة، صدر الأمر السامي رقم 906 وتاريخ 6-1-1439 الذي قضى بأن تقوم وزارة الداخلية بإعداد مشروع نظام لمكافحة التحرش، ورفعه خلال 60 يوماً، وهذا التدبير التشريعي، وإن كان يستهدف في المقام الأول سد الذرائع المحتملة من قيادة المرأة للسيارة، بحسب خلفية صدوره، يمثل خطوةً إيجابية نحو تقنين الأحكام التعزيرية الجنائية، فضلاً عن أنه من التدابير الرامية إلى تذليل العقبات، التي تعترض المرأة في سوق العمل، وبالتالي رفع نسبة مشاركتها فيها، وهو ما تستهدفه رؤية المملكة 2030، وغير ذلك من الأهداف المتوخاة التي لسنا بصدد حصرها.


لم يكن لدينا في أي وقت فراغ تشريعي على الإطلاق، فالشريعة الإسلامية كافية وافية، ولكن جانباً من هذه الكفاية يتمثل بشموليتها وسعتها، التي تفردت بها عن القوانين الوضعية، إذ جاءت بمقاصد كلية ومبادئ عامة وأحكام لا يمكن الحيادة عنها بأية حالٍ من الأحوال، وأعطت المسلمين مجالاً للاجتهاد في معالجة التفاصيل المتعلقة بأمور دنياهم، وغيرها، في كل مكان وزمان، والقول إننا نخالف الشريعة الإسلامية بسن القوانين غير صحيح، وإلا لما كان لدينا اليوم أي قانون، وليس صحيحاً أن نعتبر أن اللجوء إلى سن القوانين إقلال من كمال الشريعة وكفايتها؛ بل إن ذلك تميزٌ تمدح به. الواجب الذي ينبغي أن نلتزمه هو ألا تتعارض تلك القوانين مع مقاصد الشريعة ومبادئها وأحكامها، وشملت أنظمة المملكة على أحكامٍ تعزز هذا المنهج الراسخ، وفي مقدمها المادة السابعة من النظام الأساسي للحكم، التي نصت على أن «يستمد الحكم في المملكة العربية السعودية سلطته من كتاب الله تعالى، وسنة رسوله، وهما الحاكمان على هذا النظام وجميع أنظمة الدولة».

كل شخص يدرك أن التحرش محظور، ولكنه لا يعلم ما هي العقوبة التي ستوقع عليه فيما لو أقدم عليه! إذ إن جريمة التحرش من الجرائم التعزيرية التي يجتهد القضاة في اختيار العقوبات التي تتناسب مع جسامتها، ولكن بصدور النظام سيدرك الفرد العقوبة التي ستطاوله لو أدين بارتكاب جريمة من جرائم التحرش، ما يجعله يحجم عن ذلك الجرم، وهذا يتطلب أن تكون العقوبات رادعة بالقدر الذي يدفعه إلى الإحجام، كما أن الهالة الإعلامية التي ستصاحب صدور مثل هذا القانون سيكون لها أثرٌ إيجابي في توعية المجتمع بخطورة جرائم التحرش وبالعقوبات المترتبة عليها.

ومن الضروري أن يعرَّف النظام التحرش تعريفاً محدداً ودقيقاً، وأن تضاف إلى الأوصاف السائدة للتحرش ممارسات التحرش التي تحدث (عن بعد) عبر الهاتف وغيره من وسائل التواصل التقليدية والحديثة وما شابهها، وأن يراعى فيه احتمال صدور التحرش من الجنسين، وأن ينص على عدم الاعتداد برضا الطرف المتحرش به في كل الأحوال، وقد يكون ملائماً أن يتضمن القانون نصاً صريحاً يحظر تفسير القانون على نحوٍ يخالف أحكام الشريعة الإسلامية والأنظمة المرعية في المملكة، وذلك لقطع الطريق على أية محاولة لتسويغ الممارسات المحرمة التي يحتمل حدوثها في النطاق الذي يغطيه القانون أو المطالبة بذلك، وأن يحدد الجهة المختصة في شكل مباشر، بتنفيذ أحكام القانون، كما أنه لا بد أن يتضمن مشروع النظام نصاً يقضي بتغليظ العقوبة في حال وقوع جريمة التحرش على الأطفال وذوي الإعاقة والعاملات المنزليات، أو كانت الجريمة مبنية على أساس تمييزي (أشكال التمييز المتداخل أو المتعدد).

وأرى أنه من الضروري جداً أن يُعد مشروع النظام في ضوء التزامات المملكة، بموجب اتفاقات حقوق الإنسان ذات الصلة بموضوع التحرش، كاتفاق حقوق الطفل، واتفاق القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، واتفاق حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، والاتفاق الدولي للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري.

NaifMoalla@