موت النخبة السعودية

محمد المزيني |

< هل كان ادعاء ذاك، الذي أطلق في الربع الأخير من القرن الماضي «زمن النخبة» صحيحاً، وأن ثمة نخباً سعودية اعتلت المشهد الثقافي وحركت سكون الإبداع وفضاءات الأدب والفن، ولنقل تسليماً موقتاً أن هذا ما حدث فعلاً من داخل حركة الحداثة، التي تأثرت بحداثة مماثلة في بعض الأقطار العربية، وإن كان في بعضها ينحو منحى مؤدلجاً ذا اتجاه استقطابي موحد تعبر عنه في شكل أكبر وأعمق «القومية العربية» الملتبسة بالنزعات الاشتراكية، التي كانت تصر بأكثر من طريقه على ادعاء الوقوف معها وتغذيتها، فلا تكف المحافل تلو المحافل في المربد وغيرها عن التماهي معها، حتى أشعلت حماسة الشباب المتطلع إلى حداثة جديدة، اتخذت لها شكلا جديداً في التعبير من حيث اللغة والمضمون، غذيت هذه الميول لتُتخذ عقيدة تستحق المنافحة عنها، والصيرورة وفق رؤيتها للحياة الجديدة. هذا التطلع الذي حرك الصحوة للحيلولة دون وصولها إلى عمق وعي المجتمع، باستشعار كامل للخطر الداهم الذي يتهدد مكوناتهم الدينية والثقافية والأدبية، اتخذ الدين وسيلة مؤثرة للحرب الضروس، التي خاضتها الجماعات الصحوية باسم الدين، وقد تمكنوا باكتساح كامل من تأليب الرأي العام ضد موجة الحداثة، التي ألبست أكثر من معنى، فتارة ضد القيم الدينية، وأخرى ضد العقيدة الإسلامية، وتارة ضد اللغة العربية وآدابها المتعارف عليها، وفي كثير من الأحيان ضد أخلاق الناس وعاداتهم وتقاليدهم، أُقحمت المرأة في حمأة هذا الصراع لتعجيل القضاء على هذا الفكر الوافد الجديد، الذي مرات ينسب إلى التغريب وأنه إحدى وسائل العلمانية التي تطمح إلى فصل الدين عن الدولة، ومرات أخرى تلبس الحلل الاشتراكية الحمر. لقد استعذب «شباب الحداثة» ومن خلفهم منظروهم، لعبة شد الحبل، مستشعرين تميزهم باختلاف أطروحاتهم وتوجههم، فتعالت لديهم همة المواجهة من دون أن يؤسسوا لهم مدرسة حقيقية يسمح لكل من أراد الدخول إليها من أبوابها الواسعة، كما فعلت الصحوة، بل حفت برمزيتها حتى انغلقت على نفسها، وعلت أسماء ربانها فوق أبراج عاجية، وهذا ما سرّع بسحب البساط من تحتها، لتسقط بالسرعة نفسها تحت ثقل الضغط الصحوي.


نستطيع القول إن صيرورة المجتمع السعودي خلال الـ50 سنة، تجاذبتها فيها أربعة اتجاهات، بعد تنحية حزب البعث الذي وئد في مهده، وإن تبقت له ذيول لم تعد صالحة لتمثيل قيمها في السعودية، بهذا يكون للصحوة ذات الاتجاه الثيوقراطي الشمولي قصب السبق في احتلال المساحات الأكبر من حياة المجتمع السعودي، ومن ثم حاولت الحداثة ذات الاتجاه الفكري البلاغي مزاحمتها، وعلى رغم أسبقية العلمانية المتجذرة في حضارة الأمم الأخرى، فإنها لم تحضر بصورة أوضح إلا في السنوات الـ20 الأخيرة، تلتها الليبيرالية، ومع شديد الأسف فإن نقص استيعابنا للمفاهيم الحقيقية للمبادئ الراسخة، سواء أكان للدين أم للفكر أم المناهج السياسة، أدخلنا في صراعات جمدت حراكنا الحضاري المستجيب لحاجاتنا الإنسانية الحقيقية، أجهدنا ردحاً من الزمن في صراعات جانبية حركت ضغائن المجتمع السعودي، ومعها كراهيته المأزومة لهذه المصطلحات التي لم يصادق عليها واقعنا في شكل حقيقي، حتى انتظم في لجة هذا الصراع كل من لا يعرف الفرق بين معنى العلمانية والليبيرالية، وأصبحت المجالس تدار بطرق غوغائية متآمرة في سبيل مواجهة هذا الدخيل الطارئ، الذي بدأ يتلمس مكانه في حياة الناس. حقيقة لم تكن مواجهة للحداثة أو العلمانية أو الليبيرالية مبنية على بعد رؤيوي منطقي، قدر ما كانت مواجهة لكل جديد يزاحم الصحوة، استخدم فيه المجتمع، الذي أصبح بفعل تأثيرها المباشر، مشتبهاً وخائفاً ومذعوراً منها، لأنها ستطاول أفكاره وعقائده وعاداته وتقاليده، على رغم أن المجتمع السعودي حينها يعيش حال انفتاح داخلي، أعني الخاصة فيه، التي لا يمكن أن يجاهر بها، مستوعباً كل مستجدات الحياة، بما في ذلك المنتجات المستوردة التي اخترقت عالمه المسكوت عنه، فبينما كانت الأشرطة (الكاسيت) تضخ قيم الصحوة وتعاليمها بقوة طاغية ومستبدة على كل الأصعدة، كان المجتمع ذاته يصل ليله بنهاره، مشدوداً إلى الأفلام العربية والأجنبية التي تضخها شركات الإنتاج عبر شرائط الفيديو، ثم لم يلبث المد الفضائي أن غزا الناس في عقر منازلهم، وأصبح المتعة الأولى المستبدة بحياتهم داخل البيوت، لم يمتنعوا عنها على رغم تحذير الصحوة منها وغلاء أسعارها، في حين أن صوتهم الخارجي يعبر عن رفضهم الحداثة وبلاغاتها الجديدة والعلمانية التي تفصل الدين عن الدولة، والليبيرالية التي تفصل حياة الناس برمتها عن كل الأنظمة الشمولية، بما فيها الاتجاهات الدينية. قطعنا ردحاً من الزمن في صراع مرير مع وجودنا داخل هذه الأيقونات الأربع، لنكتشف أخيراً أنها لم تكن سوى قوى تتصارع لأجل احتلال منصات تضعها في الواجهة على حساب تطور المجتمع، السنوات الـ40 التي مضت لم تقدم شيئاً يذكر لنهضتنا الفكرية، لم توفق في ترقية وعي المجتمع باتجاه الإنسان نفسه، الذي ظل رهيناً لعادات وتقاليد لم تعد صالحة للتمثيل الحضاري، بل بالعكس ضاعفت حمأة التماهي الطائفي والقبلي والجهوي، لقد كشفت لنا أخيراً قيم التحول 2030، التي بدأنا نرى إرهاصاتها الأولى، عن طبيعة حياة الناس التلقائية خارج تلك «الأيقونات»، لم تعد المرأة فريسة يتربض بها الذئب، ولا الدين حجر عثرة في سبيل تقدم المجتمع وانفتاحه نحو الآخر، لقد أصبح ممثلو الحراك الثقافي والإبداعي، وحتى التحرري، شباباً لم يكن لهم رصيد معرفي كبير، شرارات اللحظة التي أوقدوا منها أعمالاً مهمة وضعتهم في معيار القيمة، بلا صفات إضافية تثقل وجودهم داخل المجتمع، لذلك استقبلوا بتعاطف تام وتأثر بهم الآخرون تلقائياً وحذوا حذوهم.

اليوم، كل ما يحتاج إليه المجتمع هو أن تترك له حرية اختيار حياته من دون وصاية، وأن تسن قوانين عاقلة لحمايته من الآخرين.

* كاتب وروائي سعودي.

almoziani@