«مثنوي معنوي» لجلال الدين: كلام الشعر لاختصار تجربة الروح

ابراهيم العريس |

«من لا يركض إلى فتنة العشق يمشي طريقاً لا شيء فيه حيّ»، «أين هي الأذن الواعية والعين المبصرة؟ فالجسم مشتبك بالروح، والروح متغلغلة في الجسم، ولكن أنى لإنسان أن يبصر تلك الروح؟»، «هكذا أود أن أموت في العشق الذي أكنّه لك، كقطع سحاب تذوب في ضوء الشمس»، «ارتقِ بمستوى حديثك لا بمستوى صوتك، فالمطر هو ما ينمّي الأزهار وليس الرعد». تلكم بحسب ترجمة وردت في مقال عن كاتبها نشر في «موسوعة ويكيبيديا»، بعض من فقرات مأثورة عن واحد من أكبر الصوفيين في التاريخ، بل لعله المتصوف الوحيد الذي يمكن القول إن ذكراه لا تزال حية حيويّةََ أقواله: ونعني به طبعاً، جلال الدين الرومي الملقب بـ «مولانا»، والذي لا يمضي عام إلا ويزور الألوف قبره في قونيا التركية، هو الذي يعتبره الأتراك تركياً، فيما تشير المصادر بما يشبه الإجماع إلى أنه فارسي من بلخ (أفغانية اليوم)، بل حتى اسمه الرسمي ليس جلال الدين الرومي بل جلال الدين محمد بلخي، ناهيك عن أن سيرته المتداولة تجعل له اسما آخر هو محمد بن محمد بن حسين بهاء الدين البلخي. ولكن مهما يكن من شأن حقيقة الاسم والنسب والهوية، يبقى للرومي أنه صاحب المكانة الكبرى في عالم الحركات الصوفية، القديمة والمعاصرة، إلى درجة أنه من الصعب القول أنه قد أحيل حقاً إلى المتاحف!

> ولعل ليس أدل على هذا مما حدث في تركيا نفسها في العام 1925، حيث بعد أن استتبت السلطة لمصطفى كمال في هذا البلد، وأقام جمهوريته العلمانية على أنقاض الخلافة التي كانت قد ماتت على أي حال حتى قبل تدخّله، كان واحداً من أولى وأعنف القرارات التي اتخذها، حظرُ نشاط الجماعات الصوفية المولوية ومصادرة مراكزها وأملاكها. بالنسبة إلى مصطفى كمال كانت تلك الجماعات تشكل خطراً على علمانية نظامه لسبب بسيط وهو أنها تقف مخالفة للعقلانية وللمنطق. والعقلانية والمنطق كانا سلاح مصطفى كمال لمواجهة العصر ودخول العالم. والمولوية كانوا أقوياء مؤثرين، لأنهم يخاطبون الوجدان لا العقل. ولعل هذا من شأنه في زمننا الراهن هذا أن يذكرنا بآخر ضروب «الثورة» التي جابهت نظام حكم الملالي في إيران حيث انتفض الصوفيون في بعض أنحاء البلاد رافضين هذا الحكم وجوبهوا بعنف لا مثيل له من قبل الحرس الثوري.

> في جميع الأحوال، ومهما كان موقفنا من ذلك كله، يبقى علينا أن نشير إلى أن المولوية، في مثل تلك الأفعال وردود الأفعال كانوا في ذلك، ويبقون دائماً، على غرار مؤسس تيارهم «مولانا» جلال الدين الرومي، وكانوا في نهجهم اللاعقلاني أشبه بسياق كتابه الأشهر «مثنوي»، الذي لا يزال يترجم حتى اليوم ويُقرأ على نطاق واسع، في أنحاء عدة من العالم، بل ازداد الاهتمام به خلال العقود الأخيرة من السنين.


ومع هذا ليس في «مثنوي» نفسه ما يبرر هذا الاهتمام، فهو في نهاية الأمر ليس أكثر من مجموعة من النصوص غير المترابطة «التي تخلو من أي ترتيب، ويعوزها الترابط البنائي» بحسب المستشرقة الألمانية آنا ماري شيمل التي تعتبر من أكثر الباحثين الغربيين، في العصر الحديث، اهتماماً بـ «مثنوي» وكتابةً عنه.

> و «مثنوي» هو «الكتاب» الذي أملاه جلال الدين الرومي خلال السنوات الأخيرة من حياته على ثالث أصحابه، في الترتيب الزمني، حسام الدين. وكان وهو يمليه عليه على فراش المرض. والمرجح أن الرومي فرغ من إملاء الجزء الأول، والأهم، من «مثنوي» في العام 1258م. بينما المرجح من ناحية أخرى، أنه فرغ من الجزء الثاني أو «الكتاب الثاني» بعد ذلك بأربع سنوات، أي في العام 1262 الذي اختار فيه جلال الدين «تلميذه» حسام الدين، خليفة له.

> عند إملائه «مثنوي» كان جلال الدين يعيش في قونيا، في آسيا الوسطى، وكان فرغ من تكوين طائفة «المولوية». ويتألف «مثنوي» في نصه الأشهر، من ست كتب فيها خلاصة لتجارب مؤلفه الروحية والصوفية. أما الموضوع الرئيس في نصوص الكتاب كلها فإنما هو ضرورة الموت في سبيل أن يعيش الإنسان إلى الأبد في خالقه. غير أن هذا الموضوع لا يرد بوضوح، وإنما عبر آلاف السطور والفقرات والحكايات والحكم وأبيات الشعر، والخرافات والأساطير إضافة إلى الكثير من الوقائع التاريخية الحقيقية والوقائع المستقاة من الحياة اليومية والحوارات... وكل هذا يرد في فصول الكتاب من دون أدنى ترابط منطقي، حيث أن القارئ قد يجد نفسه يتنقل، من دون أن يدري لماذا، بين فصول تبدو وكأنها مستقاة مباشرة من «إحياء علوم الدين» للإمام الغزالي، وأشعار غزلية، ونصوص تتحدث عن تجارب روحية شديدة الغرابة. ومع هذا فإن كثراً من أنصار هذا الكتاب لا يفوتهم أن يروا في نصوصه جمالاً يقود إلى عوالم روحية تضع الإنسان على تماس مباشر مع أجواء لا تتيحها له واقعية اليومي، فيشعر أنه يغوص في نوع من الخبرة الروحية و «يحسّ نفسه وكأنه أضحى جزءاً من الأثير»، بحسب تعبير مستشرق مهتم بالكتاب.

> أما آنا ماري شيمل فتقول عن نصوص الكتاب إن «التعبيرات المجازية فيها تبدو غير محصورة الدلالة، فقد ينطوي التعبير الواحد على الإشارة إلى معنى، ونقيض ذلك المعنى، ما يجعلها تتضارب في مرماها ومغزاها»، وتضيف شيمل أن «جلال الدين قد استخدم، في كتاباته وأشعاره، بل أشار إلى، مختلف أمور الحياة اليومية، كما أكثر من الحديث حول جوانب من التقاليد التي ترجع إلى تلك الأمم التي نزلت ديار خراسان وبلاد الروم... والذين خلفوا فيها آثاراً لتراثهم الروحي».

> كتاب «مثنوي» الذي بحسب المستشرق هنري كوربان هذه المرة، يصعب فهمه بالنسبة إلى عقلانية الإنسان الغربي، يحتوي مقطوعات رفيعة المستوى من ناحية بعدها الروحي، حيث أنها طالما هزت أعطاف عدد كبير من المفكرين الأوروبيين من أمثال غوته وهيغل. أما واضع الكتاب، وهو جلال الدين الرومي، فمن المعروف أنه ولد كما أشرنا في بلخ التابعة اليوم لأفغانستان في العام 1207، ومات في قونيا في العام 1273 عن ستة وستين عاماً، وهو يعتبر من أكبر الصوفيين، وتحديداً بفضل كتابه الذي يحمل عنواناً كاملاً هو «مثنوي معنوي» أي «الثنائيات الروحية».

> وتقول سيرة حياة جلال الدين أنه كان لا يزال فتيّاً في الحادية عشر من عمره حين اضطر إلى الرحيل عن مسقط رأسه مع أهله هرباً من وصول جحافل المغول، واستقر به الأمر في قونيا اعتباراً من العام 1228. وهو تلقى تعاليم الصوفية عن أبيه، غير أن أستاذه الأكبر وصديقه الأول كان شمس الدين التبريزي الذي التقاه في العام 1244، ووقع تحت تأثيره حيث كرس حياته ووقته منذ ذلك الحين للتصوف وتعاليم الصوفية ووضع تكريماً له واحداً من أبرز وأجمل كتبه وهو المسمى «الديوان الكبير» أو «ديوان شمس التبريزي»، وذلك إضافة إلى مجموعة شعرية هامة أخرى عرفت باسم «الرباعيات» وهي منظومة طُبعت مرات عدة أكملها كما يبدو هي طبعة إسطنبول التي تضم نحواً من ألف وستمئة وتسع وخمسين رباعية. أما في مجال النثر فيُذكر له «كتاب فيه ما فيه» الذي يحتوي على سبع وسبعين محاضرة ألقاها «مولانا» على أصحابه جمعها مريدوه، و «المجالس السبعة» الذي يضم مواعظ ومحاضرات متنوعة إضافة إلى أشعار لفريد الدين العطار وسناني والرومي نفسه. وهناك في سياق مؤلفاته النثرية أيضاً، مجموعة «الرسائل» التي كتبها جلال الدين بالفارسية والعربية إلى عدد من تلامذته ومريديه كما إلى معارف آخرين له من رجال الدولة وأصحاب التأثير في زمنه. وبقي أن نذكر هنا ضمن إطار تأثر جلال بالمحيطين به أن أستاذه وصديقه الأوفى شمس الدين قد توفي في العام 1247 ما أوقع جلال الدين في حزن عميق كان من نتيجته أن كتب 30 ألف بيت من الشعر يعبر فيها عن حبه العميق لأستاذه وصديقه. وكان عزاؤه أن التقى بعد ذلك بسنوات بصلاح الدين زركوب الذي حل لديه محل شمس الدين، ثم بحسام الدين جلبي، الذي عليه أملى صفحات «مثنوي». ومن المعروف تاريخياً أن جلال الدين الرومي قد دفن عند وفاته في ضريح ظل الاتباع يزورونه طوال مئات السنين، ولا يزالون يفعلون حتى اليوم، في نوع من حج متواصل ندر أن حظي بمثله أيّ شيخ آخر من شيوخ المتصوفين على مدى التاريخ.