صباح الحرف (يا ليت قومي «يدرسون»)

محمد اليامي |

لو ذهبت بالسخرية اللاذعة إلى مدى أبعد قليلاً عن الواقع لقلت إنني أخشى أن تنتقل بعض الوظائف الصحية في السعودية من مرحلة شغلها بغير السعوديين إلى مرحلة شغلها وتشغيلها بالآلات التي يديرها الذكاء الاصطناعي من دون المرور بمرحلة شغلها بآلاف السعوديات والسعوديين القابعين على رفوف البطالة، أو أولئك الذين يدرسونها في انتظار الانضمام إلى صفوف الانتظار عند تخرجهم.


وضع شديد الغرابة، فالمستشفيات الحكومية والأهلية مليئة بغير السعوديين، والسعوديين في التخصصات نفسها، وأحياناً بتأهيل أعلى يملأون بيوتهم أو حسابات التواصل الاجتماعي بالحسرة، ثم يخرج بعض الذي شبعوا من الرواتب والحوافز والمؤتمرات واللجان والهيئات بتوصية إيقاف افتتاح كليات الطب والعلوم الصحية حتى عام 2030 نظراً لتكدس الخريجين!

لا أعرف كيف يمكن لهذا المنطق أن يقنع مواطنات ومواطني بعض المدن في بعض المناطق الذين إذا وقفت في منطقة الاستقبال في مطاراتها وجدت كثيراً من القادمين من العاصمة أو الحواضر الكبرى وهم يحملون أكياس الأدوية، أو حافظاتها لأن المستشفيات لديهم ليست تخصصية، أو لا تكفي، أو لا يجدون فيها بعض الأدوية، ولا أدري كيف يمكن لهذا المنطق أن يتسق مع أحلام رؤية تريد أن يكون للعلوم الطبية والتطبيقية حضورها في صنع المستقبل.

الحقيقة أنني لا أعرف ما الذي ستفعله فتاة سعودية أو شاب سعودي يتجه للتعليم بعد الثانوية، فبعض المستشارين أو بعض الكتاب، وبعض المنظرين في وسائل الإعلام، ينادون بإيقاف تدريس التخصصات النظرية كالتاريخ والجغرافيا أو الأدب إلى آخر القائمة، ويطالبون بالتركيز على التخصصات الصحية والعلمية، ثم ها هم أهل التخصصات الصحية ينادون بعدم التوسع في تعليم الطب والعلوم الصحية، وربما يتفتق ذهن من يريد حلاً لبطالة المهندسين والمهندسات السعوديين أن يطالب بإيقاف دراسة الهندسة لعدة سنوات!

في القطاعين الصحي والهندسي تحديداً كانت البلاد ورشة تدريب وتأهيل عملاقة لخريجي الدول الأخرى، بعضهم بالتأكيد كان كفياً ومميزاً، وممتناً للفرصة، ونقل المعرفة والخبرة بأمانة. لكن بعضهم الآخر، وهم الأكثر كما تبدو الصورة على أرض الواقع استثمر كل شيء من دون أن يفيد فعلياً، وكانت هذه الورشة بوابته لفرص أخرى، وهذا في شكل أو آخر من حقه طالما حصل على الفرصة، وسيفعل أي إنسان المثل في الغالب.

بدلاً من المطالبة بإيقاف تدريس تخصصات، أو عدم فتح مزيد من الكليات، كان الأَولى درس الواقع انطلاقاً من نتائج الماضي، للانطلاق نحو المستقبل، فلا يمكن الانتقال من تطرف التعاقد والاستقدام، إلى تطرف آخر أياً كان نوعه أو مسماه، ولا يمكن أن يكون حال العلوم دوماً مرتبطاً بالوظيفة لدى منشأة بقدر ارتباط بوظيفة أصحاب التخصصات العلمية والمهمة في مجتمعاتهم.

في المنشآت الصحية تحديداً، هناك إدمان استقدام وتعاقد واضح، وهناك أسرار لا نعرفها لبعض الجنسيات وارتباطها ببعض التخصصات، وهناك ماء في أفواه الكثير من المكافحين السعوديين من الجنسين وصولاً إلى درجات طبية وعلمية على مدى عقود من الزمن، إن شربوه تسممت أرواحهم، وإن لفظوه ربما تأثرت أرزاقهم.