«الشيخ» في «تويتر»

فهد الدغيثر |

موضوع قطر وإن أصبح صغيراً وغير ذي أهمية على المستويين السياسي والاقتصادي بالنسبة إلى حكومات الدول الأربع المقاطعة، إلا أن أحداثه تحمل نوعاً من الطرفة والإثارة و «الدروس» المجانية في علوم السياسة. آخر هذه الطرائف دخول الشيخ حمد بن جاسم بن جبر رئيس وزراء قطر السابق إلى منبر «تويتر» كمغرد من بين الملايين من خصومه والعشرات من محبيه. لا أعلم هل دخوله بعد نحو عام من المقاطعة أتى رغبة منه أم فعل ذلك تحت ضغوط معينة فرضتها الظروف التي تمر بها الشقيقة قطر هذه الأيام. في ظني أن الأخيرة أقرب، إذ إن ما يحرره عبر حسابه الموثق من تغريدات غارقة في المثالية في مبادئ «الأخلاق» و«العدل» و«الأخوّة» وما يواجهه من تعليقات لاذعة توضح عمق الورطة التي تسبب بها وأنتجت هذه القطيعة، لو كنت مستشاراً هناك لما نصحته في الإقدام على هذه الخطوة لأن من يقرأ تغريداته لا يمكن أن يفصلها عن الصورة العالقة في الأذهان وأقصد جلوسه بجانب القذافي وهو يسهب في شرح تفاصيل المؤامرة ضد السعودية والملك عبدالله رحمه الله والتي حفظناها عن ظهر قلب، لا يمكن مثلاً أن أنسى تلك الفقرة التي أشار بها عن دعم حكومته سراً لبعض المواطنين السعوديين ممن قد يأتي إلى أوروبا للعلاج أو التعليم طمعاً في كسب تعاطفهم مع نظامه، ولا أجد أي رابط بين هذه الخطط الشيطانية وبين حاجة الشيخ لاسترداد أمواله من قطر عندما برر وجود التسجيلات وأكد صحتها في مقابلته مع تلفزيون قطر. الحقيقة التي لا يمكن إغفالها أن هذا «المهندس» العبقري عمل فعلاً على تقويض الأمن في المملكة ولا ينكر ذلك إلا مراقب ساذج وسطحي جداً. كان الهدف بالطبع هو إسقاط الدولة السعودية «الهرمة» كما قال، وحصول قطر على تكليف أممي بحكم قربها جغرافياً ووجود القاعدة الأميركية، على إدارة المنشآت النفطية شرق المملكة وتوفير الحماية للمنطقة باعتبار ذلك أمراً حيوياً جداً وبالغ الأهمية للعالم.


أما لماذا يورط دولته في مثل هذه المغامرة الخطرة، فالواقع أن المسألة مجرد حسابات خاطئة وغارقة في المراهقة السياسية وحسابات القوة والضعف، أكاد أجزم بأن الشيخ لم يضع في أكثر تصوراته تشاؤماً أن عقوبة كهذه التي اتخذتها الدول الأربع في منتصف العام الماضي قد تحدث، وقد لا نلومه فالمملكة بحلمها وصبرها كانت تكتفي بأقل أساليب التأديب كما يفعل المعلم الكبير المربي في فصل دراسي في المرحلة الابتدائية بداخله طفل شقي. المؤسف أن الشيخ كما ذلك الطفل، كان يرى هذا الصبر ضعفاً وتردداً، ومع استمرار التمرد وارتفاع مستوى غضب الجيران تم انسحابه مع أمير البلاد السابق الشيخ حمد بن خليفة قسراً عن الحكم وتنصيب الشيخ تميم، ظن «المهندس» بعد هذه الخطوة أن السعودية ستكتفي بذلك ولن تطالب بالمزيد بشرط عودة قطر وتوقفها عن النهج العدواني، بمعنى آخر ها نحن ابتعدنا عن الحكم ويوجد الآن أمير جديد وحكومة مختلفة فماذا تريدون أكثر من ذلك، جميعنا بالطبع يعلم أن الخط التحريضي الذي انتهجه النظام القطري ومنذ عقود لم يتغير بتغير المسؤولين واستمرت قطر بتوفير الدعم والمأوى لجماعة «الإخوان المسلمين» المصنفة جماعة إرهابية لدى عدد من دول المنطقة. أيضاً على المستوى الإعلامي لم يحدث أي تغيير بل العكس، إذ بادرت قطر بعد الهدوء المصطنع الذي سارت عليه «الجزيرة» تلك الفترة بتأسيس منابر إعلامية جديدة في عدة عواصم عالمية تسير على نفس التوجه والأهداف.

هذا ما دفع الملك عبدالله، رحمه الله، إلى طلب وجود الشيخ تميم في الرياض وأخذ التعهد الصريح والواضح والموقع من الشيخ بحضور شهود على إيقاف هذا السلوك. وقع الشيخ ووقع الشهود وهم رؤساء أو ممثلو منظومة دول الخليج وتوقعنا أن المشكلة تتجه إلى الانفراج، عندما خابت الظنون مجدداً وبادرت صحيفة «العربي الجديد» المملوكة لقطر بنشر مقالة لوزير خارجية إيران يتهم فيها السعودية وبصراحة ضلوعها بهجمات أيلول (سبتمبر)، عشية ختام أعمال مؤتمر الرياض التاريخي لمكافحة الإرهاب الذي حضره الرئيس ترامب. هنا وقعت الواقعة وقررت الدول الأربع طي صفحة قطر وإنهاء العلاقات معها، بما في ذلك إغلاق الحدود البرية ومنع طائراتها من عبور الأجواء. ما الذي سيضيفه وجود الشيخ حمد في «تويتر» بعد كل هذه المراوغات الفاضحة غير منحه الفرصة المجانية للخصوم للنيل منه وتعريض نظامه إلى المزيد من كشف الخيانة وفضح ما قد بقي من معلومات ربما لم تنشر من قبل.

هناك أيضاً ملاحظة طريفة أخرى ربما لم يلتفت إليها أحد، ذلك أن دخوله «تويتر» أتى متزامناً مع بث قناة «الجزيرة» برنامجها «الوثائقي» المعنون بـ «ما خفي أعظم»، والذي تحدث عن دعم الجيران المزعوم لمحاولة انقلاب عدد من المسؤولين في قطر على حكومة الشيخ خليفة بعد بضعة أشهر من عزله لوالده الشيخ خليفة في انقلاب سابق. هل كان الشيخ حمد بن جاسم يتوقع أن وجوده في «تويتر» سيدعم البرنامج ويصنع منه قنبلة موقوتة طال انتظارها؟

قرأت له عشية دخوله الموقع تغريدة يقول فيها: «التاريخ لن يرحم من أوجد الكراهية بين شعوب المنطقة وسيكتب التاريخ...». وشعرت بأن الشيخ لا حسياً يقصد قناة «الجزيرة» عندما تستضيف سعد الفقيه من لندن ليتحدث عن «الفتنة» المزعومة في المملكة ويحرض القبائل ضد الحكومة ويدعو الناس إلى الخروج إلى الشوارع، هذا ما سيكتبه التاريخ وما ستتذكره الأجيال، المتابعون لهذه الأزمة دائماً يرددون هل محاولة إعادة بضع ملايين من الدولارات من معمر القذافي إلى خزينة قطر تساوي وضع تلك الخطة المفصلة عن قرب سقوط السعودية وما سيحدث بعد ذلك؟

«الشق أكبر من الرقعة» يا شيخ حمد ولا يمكن للعطار أن يصلح ما أفسده الدهر، وجودكم في «تويتر» أو في أي منبر لن يضيف لكم شخصياً ولا لنظامكم أي قيمة بل العكس هو الأقرب للواقع على الأرض، اللعبة انتهت والقرارات العقابية الصارمة تم تطبيقها دون عودة ووزير الخارجية الأميركية الصديق غادر منصبه وأتى رجل جديد ذو خلفية استخباراتية، وجماعة «الإخوان المسلمين» تعاني من العزلة والإفلاس سواء في مصر أو في غزة وقريباً في كل مكان، والواقع أن جميع الكروت التي كانت بحوزتكم في العقدين الماضيين تم إحراقها بالكامل واللهب يقترب إلى أصابع لاعب البوكر، إذ وكلما طال أمد المقاطعة كلما تضخم الضرر على خزينتكم وزادت الشروط تعقيداً، لذلك دع عنك المثاليات والتمظهر بمظهر الرجل المتمدن الذي يحمل بين يديه حمامة السلام لأنك لست ذلك الرجل، إن كانت قطر تهمك فالحل الوحيد ليس المناداة «بالمصاهرة» بين شعوب المنطقة كما غردتم قبل يومين، لأنها موجودة وشعبكم النبيل لديه قرابات وصلات رحم مع إخوانه من شعوب الخليج من قبل وصولكم إلى مراكز الحكم، والحل هو الاعتذار المعلن وقبول الشروط السابقة، وما قد يستجد عليها من إضافات بعد فتح منافذكم البحرية والجوية لمرتزقة الفرس والأتراك.

* كاتب سعودي