في الشورى.. الموافقة بالإجماع لم نعد بحاجة لها

خالد دراج |

استكمالاً لما جاء في مقالة الأسبوع الماضي عن ثقافة الحوار وتأصيلها في المجتمع السعودي، وما تم التطرق خلاله إلى مؤسستين حكوميتين تتبنيان الحوار عبر قنوات رسمية، وأشرت فيه إلى مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني كيف كان، وكيف نتطلع إلى أن يكون.


سنتطرق في هذه المقالة إلى المؤسسة الثانية التي هي بلا شك أكبر دوراً وأشمل مسؤولية وأقرب إلى دائرة صناعة القرار في السعودية، والمتمثلة بمجلس الشورى.

وربما يغيب عن الكثير واحد من الأدوار المهمة التي يؤديها المجلس بعيداً عن حجم الرضا الشعبي العام عن مجمل أدواره، وأعني هنا بهذا الدور مساحات الحوار التي تتم تحت القبة لمختلف شؤون الحياة الخدماتية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية وحتى السياسية.

هذا الحوار الذي يتم ويتنامى مرحلة بعد أخرى يجب عدم إغفاله، بل وحتى عدم ممارسة الإقصائية معه من قبل المجتمع بشكل عام.

فهذا المجتمع الذي بقدر ما رحب غالبيته بمشاركة المرأة للمرة الأولى في تاريخ المجلس عبر دورته الخامسة، التي أعلن فيها الملك عبدالله إدخال المرأة في المجلس بنسبة توازي ٢٠ في المئة من إجمالي الأعضاء البالغ عددهم ١٥٠ عضواً، إلا أن نسبة ليست بالقليلة من هذا المجتمع تابعناها أخيراً تستنكر بعض مخرجات الحوار للمجلس عندما كانت تظهر بعض أطروحات الأعضاء بشكل مخالف للأغلبية، أو حتى تقترب منها في بعض القرارات التي تحظى باهتمام شعبي.

صحيح أن هذا «المجلس» وجد لخدمة المواطن وتبني احتياجاته ومعاناته، وبالتالي يتوجب على أعضاء المجلس أن يكونوا في مستوى تطلعاته وآماله، وأن يكونوا أيضاً محل انتقاد متى ما كان هناك قصور في أدائه، ولكن في المقابل أيضاً على المجتمع وهو يحتفظ بهذا الدور أن يدعم ثقافة الحوار والاختلاف في الرأي، حتى يصل المجلس ومن قبله المجتمع إلى حالة الطلاق البين من «أحادية الرأي» و«جماعية التصويت بالقبول».

أعتقد وربما يتفق معي الكثير، أننا في ظل تطلعاتنا الطموحة نحو مستقبل أفضل ولحياة أكثر تناغماً وانسجاماً، يجب أن نكون أكثر تعايشاً وأكثر روية في تبني المواقف وإصدار الأحكام، كما أننا نتطلع في «الشورى» ألا يكون هناك حضور لمصطلح «الموافقة بالإجماع» إلا فيما ندر من القرارات، وبالتحديد تلك التي يكون لها تماس مع المصالح العليا للدولة، وفيما عدا ذلك لا بد من التداخل وتعدد الآراء والاستماع إلى كل وجهات النظر مهما كان توجهها أو حدتها، طالما هي تقع في إطار المتاح والمسموح من الحريات المكفولة لعضو المجلس.

شخصياً، لديّ العديد من الملاحظات على الناتج العام لـ«المجلس»، ولكن ليس بالضرورة أن تكون جميع ملاحظاتي تلك على صواب، فربما قصوراً مني لم أقم بالبحث والسؤال والاستفسار قبل إصدار الحكم، وبالتالي فمن غير المقبول مني ومن غيري أن نرفع سقف الانتقاد إلى التشكيك في توجهات بعض الأعضاء، بل وكما وصل بالبعض للتهجم عليهم بطريقة إجرامية مقيتة، بسبب أن هذا العضو أو تلك العضوة أبديا وجهة نظر أو تقدما بتوصية لا تروق للبعض أو لا تتفق ورغباتهم ونزعاتهم، ومثل هذه السلوكيات بقدر ما هي مجرّمة من قبل القانون والنظام فهي تضيق بأفق الحوار وتعدد الآراء وتعيدنا من جديد للمربع الأول.

حرية الرأي يجب أن تنطلق من احترام حريات الآخرين، طالما وجد قانون يحمي حريات المجتمع.

khaliddarraj@