وانتهى معرض الكتاب

محمد المزيني |

< انتهى معرض الرياض الدولي للكتاب في دورته «المجهولة» التي لا يعرفها حتى بعض مسؤولي المعرض، الذي بدا لهم سؤالي عنه محرجاً للغاية، فدليل المعرض وشعارة لم يتضمنا ما يشي بتاريخ المعرض الممتد إلى أكثر من 40 سنة، إذ دشنت أول دورة له في جامعة الملك سعود عام 1977، لينتقل عام 2006 إلى وزارة التعليم العالي، ثم إلى وزارة الثقافة والإعلام، بحكم الاختصاص مع بداية عام 2007، بمعنى أن دورة المعرض هذه السنة هي الـ11، ولمناسبة شعار المعرض ففي رأيي - لكي يصبح المعنى معبراً أكثر عن رؤية التحول، التي تأخذ البلد إلى آفاق أوسع - لو جاءت صياغة الشعار على النحو التالي: «التحول مستقبل صناعة الكتاب» عوضا من «الكتاب مستقبل التحول»، لما تحمله «الرؤية» من مضامين تخدم صناعة الثقافة والفن، ومن بينها الكتاب بوصفه مادة أولية وأساسية لهذا التحول. السؤال؛ هل نجح المنظمون في معرض الكتاب لهذه السنة؟ وهل اختلف عن السنوات الماضية في شكله ومضمونه؟

قبل الإجابة على هذين السؤالين الجوهريين لا بد أن نقر بأن معرض الرياض الدولي للكتاب حال استثنائية خاصة بين المعارض الأخرى، محليا وخارجيا، لسببين؛ أولهما: أنه يمثل احتفالية مميزة للرياض، تلاقي إقبالا جماهيريا كبيرا، كما أنه حالة امتزاج بين الإنسان وأدوات المعرفة. وثانيهما: أنه نافذة عريضة لتسويق الكتاب، يتهافت عليه الناشرون من كل بقاع العالم العربي، بما يحقق له صفة «العربية» دون العالمية؛ لقلة فرص مشاركات دور النشر العالمية في المعرض، لأسباب تتعلق بصفة المعرض الثابتة «المكرسة» للبيع، بينما دور النشر العالمية تطمح، كما هو معروف في المعارض العالمية، إلى تسويق منتجاتها من خلال عقود طويلة الأجل بشكل مباشر، وهذا في حد ذاته يثري المكتبة العربية بمنتج علمي وأدبي جديد يسد الفجوة التي تشكو منها المكتبة العربية، ويفتح أبواب الترجمة على مصراعيها. أكاد أجزم بأن ثمة جهوداً كبيرة بذلت في معرض الرياض الدولي للكتاب تدخل في أطار المحاولة لتقديم شيء مختلف يشكر القائمون عليها، كما أن هناك محاولة أخرى على صعيد الفعاليات وتنوعها؛ سواء أكانت للصغار أم الكبار، يشكرون عليها أيضا، وخصوصا «ركن الطفل» الذي امتاز هذه السنة على بقية السنوات، إذ كان منظما بما يكفي لاستقبال أعداد الأطفال الكبيرة بكل يسر وسهولة، وما ذاك إلا بسبب اعتماد الوكالة على الناشطين في هذا المجال، ومعهم المتطوعون المدربون جيدا.

أما ما يخص الفعاليات الرئيسة، فتتكرر المشكلة في كل المعارض السابقة، بسبب تشبث المنظمين بالنشاطات المنبرية، حتى التدريبية منها، إذ أخذت صفة المتحدث والمستمعين بعيدا عن البعد التفاعلي الإثرائي، الذي يعكس روح المشاركة لدى الجميع، لذلك وعلى رغم تزاحم الناس وتدافعهم في ممرات المعرض، فإن حضور هذه الفعاليات التي تخللتها مسرحيتان؛ واحدة للكبار وأخرى للصغار، يعد قليلا جدا، لا يتناسب مع عدد الزوار بتاتا، فهل يعود ذلك إلى الاستعجال في الإعداد له، مع أن سنة كاملة تفصل ما بين الدورتين كافية تماما لإنجاز كبير، أم أن للتغيرات السنوية الطارئة على إدارة المعرض أثره السلبي على مستوى الإنجاز؟ لهذا السبب الأخير دور كبير في كثير من جوانب التقصير، لذلك فمن الضروري والملح اختيار كفاءات جيدة لها تجارب ثرية في التنظيم والإعداد، ولديها قدرة على التواصل مع شبكة جيدة من العلاقات بالأوساط العلمية والفكرية والأدبية والفنية، لتجاوز المعرض كل السلبيات والنقص التي يعاني منها، فلو عملت اللجنة المنظمة على أن تتواصل مع جميع مؤسسات المجتمع المدني والأندية الأدبية وجمعية الثقافة والفنون والجمعيات النوعية الأخرى الفنية منها والاجتماعية لترشيح أهم ما لديهم لمعرض الكتاب القادم؛ من ورش عمل ونشاطات مسرحية، وفنون تشكيلية وضوئية وموسيقية لتجاوزت وكالة الثقافة هذا العسر الذي تعانيه بسبب التعجل في الإعداد، مع أننا كنا ننتظر أن يستضيف المعرض بعض الأسماء المهمة عربيا وعالميا، على كل المستويات العلمية والأدبية وحتى الفنية، للإفادة من تجاربهم وأفكارهم.


كما لوحظ أيضا ضعف في تجهيزات المعرض الدولي، على رغم استخدام الرمز الشريطي (باركود) المرة الأولى، ما أربك حركة البيع والشراء، بسبب كثرة أعطالها، كما عجزت قاعدة المعلومات الموزعة على جوانب صالة العرض الرئيسة بتجهيزاتها القديمة عن خدمة الزائر على الوجه الأكمل، ما يضطره إلى اللجوء إلى سؤال الآخرين، هذا الارتباك أدى إلى التزاحم بين الممرات، لا أدري كيف يفوت منظمي المعرض أن تطبيقا صغيرا يسقط في محمول الزائر فور دخوله المعرض كاف تماماً لأن يقوده إلى غايته من دون عناء سؤال الآخرين، كما كان بإمكان إدارة المعرض تحديد دول دور النشر بأكثر من وسيلة، كنا ننتظر كذلك منهم أن تعتمد في الترشيح إلى منصة التوقيعات الكتب القيمة والكتّاب الجيدين، بعيداً عن سخافات أبطال «سنابشات»، كما كان الأحرى بإدارة المعرض التنويه بأهم الكتب، من خلال بروشور ينشر يوميا بما يشبه الإحاطة الجارية للكتب التي حصدت جوائز عالمية أو تلك المثيرة للجدل، ما يوسع آفاق ومدارك القراء العقلية، ويستجيب لحاجاتهم النفسية والروحية، وكذلك التنويه عن الكتب المخصصة للتوزيع المجاني والأخرى المخفضة، ليس على سبيل الدعاية، بل لأجل توجيه الزوار لأهم الكتب التي تستحق القراءة.

قد نلتمس لمنظمي «المعرض» الأعذار، لأنهم ببساطة بذلوا كل ما في وسعهم، ليس عن تجربة راسخة أو خبرة واسعة في إدارة المعارض، إنما هي محاولات واكتشاف، فالشباب الذين زرتهم في مكتب إدارة «المعرض» لم يستطيعوا الإجابة على أسئلتي، لأنهم - بحسب تعبير أحدهم - كلفوا بالعمل مع بداية المعرض! ألم يكن من الأمثل تدريب هؤلاء الشباب المتطوعين قبل المعرض بوقت كاف ليقوموا بمهماتهم على الوجه الأكمل! السؤال؛ هل سيكون لـ«هيئة الثقافة» دور مميز في حراكنا الثقافي وفعالياته، ومن أهمها معارض الكتب؟

* كاتب وروائي سعودي.

@almoziani