جامعة «كاوست» التي نريد

خالد دراج |

عندما تجاوزت البوابات الرسمية لجامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست) الأسبوع الماضي بعد إجراءات أمنية ونظامية دقيقة ملبيا دعوة رسمية لزيارتها، لاحت لي عن بعد ملامح مباني الجامعة ومنارتها المنتصبة وسط مياه البحر الأحمر، وجدت نفسي مقصرا في تأخر هذه الزيارة التي كان من المفترض أن تكون قبل ١١ عاما عندما وصلتني دعوة حضور حفلة وضع حجر الأساس، وكنت وقتها خارج المملكة، ولم يكن هذا هو الرابط الوحيد، بل إن ما هو أهم من ذلك كان بسبب ارتباطي الروحي بهذا المشروع من خلال معايشتي «الصفرية» لأولى مراحل ولادة فكرته، عندما كنت مشرفا على صفحة في صحيفة عكاظ نشرنا فيها الصورة التاريخية للملك عبدالله وهو على الكرسي على شواطئ ثول، إذ لم يكن هناك ما يمكن أن يوصف في ذلك المكان سوى الرمل والبحر.. صلّى ركعتين على الكرسي، وأعلن بعدها لمن حوله «هنا ستبنى الجامعة.. هنا ستبنى الجامعة»، من دون أن يعلم الحضور عن أي جامعة كان يتحدث الملك.


تلك الصورة التي انفردت بها «عكاظ» كانت تمثل بداية ارتباطي بهذه الجامعة التي امتد سوء حظي معها مرة أخرى عند حفلة افتتاحها الرسمية التاريخية، التي كانت بمثابة الخطوة الفعلية لدخول الجامعات السعودية في قائمة أبرز جامعات العالم المتخصصة في الجوانب البحثية للعلوم والتقنية، بحيث منعني ظرف خاص من الحضور، وبالتالي كنت أكثر حرصا من زميلي العزيز علي مكي في الالتزام بالدعوة الكريمة التي نقلها لي لزيارة «كاوست» بعد أن أشتد عودها ودبت الحياة في معاملها ومراكزها البحثية، وأصبح خريجوها السعوديون يقدمون خبراتهم ومخرجاتهم العلمية والبحثية في كبريات الشركات والمصانع السعودية المهتمة بالطاقة والتقنية.

لم أخف أبداً لنائبة رئيس الجامعة المسؤولة الأولى عن الشأن السعودي فيها الدكتورة نجاح العشري الصورة الذهنية (الفاترة ولا أقول السلبية) التي كانت في ذهني عن الجامعة وإلى ما قبل ساعات من زياراتها، إذ لم يكن يسكن الذاكرة سوى القصة الأسطورية لفكرة التأسيس ثم تلك الحفلة التاريخية لتدشينها وتسليم إدارتها للسنغافوري البروفيسور شونق فونغ. وربما كان ذلك قصور معرفة مني، ومع ذلك سألتها: لِمَ انعزلتم عن المجتمع طوال هذه السنوات، وأخفيتم كل هذا الحضور المبهج الذي أضحت عليه هذه الجامعة التي تقام على بيئة وبنية تحتية لا يمكن أن نتصور معها أننا في السعودية، سواء من حيث مناخات الجامعات السعودية المعروفة أم من حيث طبيعة الحياة التي تدب على أرضها، ونهاية بنمط العمل الاستثنائي الذي يجري في معاملها ومراكزها البحثية الضخمة التي تجاري فيها كبريات الجامعات العالمية المعروفة والمتخصصة في هذا الجانب؟

وفهمت من إجابات الدكتورة نجاح، وهي إلى جانب منصبها القيادي المهم متحدثة لبقة وملمة بأدق تفاصيل الجامعة كونها من رواد مرحلة التأسيس، أن «خطأً ما في فترة ما» أدى إلى تلك العلاقة الفاترة مع الإعلام بشكل خاص والمجتمع بشكل عام، إلى جانب أن الجامعة كانت طوال الفترة الماضية تشرف على تنمية وتقوية وإرساء قواعدها بشكل صلب، كون أن عشر سنوات في عمر الجامعات لا تمثل شيئا في تاريخها، فما بالك بجامعة متخصصة في عالم الأبحاث العلمية والتقنية، وأضافت أن «كاوست» الآن تتجه صوب مزيد من الانفتاح صوب الإعلام والمجتمع، مشيرة إلى أن «كاوست» تحظى باهتمام خاص من ولي العهد الأمير محمد بن سلمان الذي يجد فيها رافدا مهما لرؤية السعودية 2030، موضحة أن الجامعة تشرف على دراسات بحثية خاصة عن مدينة نيوم.

جامعة «كاوست» معلم حضاري كبير وبيئة علمية عالية المخرجات.. سعدت كثيرا برؤية الكثير من الشبان والشابات السعوديين وهم إلى جانب علماء كبار من جنسيات مختلفة في العالم يسهمون في تقديم أبحاث ضخمة في الطاقة الشمسية والمغناطيسية والبيولوجيا والتقنية والكثير من العلوم التي تبنى عليها حضارات الأمم.

نريد استمرارية هذه الخطوات وتنامي هذه البيئة العلمية لمزيد من الحضور العالمي، وكذلك لتبني جيلا جديدا من العلماء السعوديين الشباب في العلم والتقنية، متطلعا إلى رفع نسبة وجودهم من ٣٥ حاليا إلى ٥٠ في المئة من بين نوابغ طلاب العالم من 100 جنسية، بحيث أضفوا بحضورهم بلا شك مناخا جميلا للإبداع والابتكار والتبادل الثقافي والمعرفي والتنافس الخلاق.