دفاعاً عن «الخرزة الزرقاء»

حازم الأمين |

أثار اختيار تيار المستقبل في لبنان «الخرزة الزرقاء» شعاراً لحملته الانتخابية استغراب وسخرية كثيرين من المعلّقين والمدونين اللبنانيين، ذاك أن التيار خاطب في اختياره الشعار ما دأبت عليه العامة في غابر الأيام من اعتقاد في أن الخرزة الزرقاء تصد عيون الحاسدين وتحمي صاحبها من ضربات الزمن ومن قبيح أيامه. و «المستقبل» لم يخف هذه الرغبة، فهو ذيّل الخرزة الزرقاء في ملصقاته الانتخابية بعبارات من نوع «المنطقة تحترق ولبنان بأمان... نحنا الخرزة الزرقا».


والحال أن موقع تيار المستقبل وزعيمه رئيس الحكومة سعد الحريري تعوزه أحجبة تصد ضعفاً وظلامة شابا موقع التيار وموقع الجماعة الأهلية التي يمثلها في السنوات العشر الأخيرة. والتيار إذ اختار الخرزة الزرقاء سعى أيضاً إلى التشبّه بأمهاتنا عندما كنّ يضعن لنا في صغرنا خرزات زرقاً تقينا عيون الحاسدين، فالأم حقيقة قوية إلا أنها في البيئة التي يخاطبها «المستقبل» بشعاره ضمنية ومحجوبة وعرضة للظلم.

بهذا المعنى لم يبتعد «المستقبل» بشعاره الانتخابي هذا عما تفترضه الانتخابات من مخاطبة للمعاني الضمنية في وعي الناخب، ومنتقدو الخرزة الزرقاء فاتتهم حقيقة أن الانتخابات في لبنان ليست فرصة لاستعراض الذكاء، بل على العكس، هي مناسبة للاقتراب من المساحات الأقل ذكاء لدى المقترعين. «الخرزة الزرقاء» تماماً كما «لبنان القوي» وهو شعار التيار العوني، و «بدك عيتاني؟» وهو شعار أحد مرشحي تلك العائلة البيروتية، شعارات أكثر قدرة على الوصول إلى أمزجة الناخبين، وأكثر فعالية في استدراجهم إلى صناديق الاقتراع من شعارات مرشحين سعوا إلى الإيحاء للناخب بأنهم نُخَب عليه أن يختار «ذكاءهم» وقدراتهم الذهنية وخبراتهم الأكاديمية.

ثم أن «الخرزة الزرقاء» جزء من أحجية أهلية حاضرة في الشعارات الانتخابية لمعظم القوى السياسية الكبرى في لبنان. فـ «التكليف الشرعي» وهو تقنية «حزب الله» في ضبط ناخبيه بلوائحه تستدرج استهوالاً وإدانة ولا تستدرج سخرية، وهو في وعينا علامة على قوة «حزب الله» وعلى صلابته التنظيمية، إلا أنها في النهاية جزء من موروث لا يقل مفارقة عن الخرزة الزرقاء، فالولي الفقيه سيكون مع الناخب وسيراقب مدى التزامه بالفتوى. و «التكليف الشرعي» أقل ديموقراطية من «الخرزة الزرقاء» وإذا كانت الأخيرة تخاطب فينا ما أورثتنا إياه أمهاتنا، فالتكليف سقط علينا من خارج وعينا وخبراتنا.

والشعارات الدينية والأيديولوجية حاضرة بكثافة في حملات «حزب الله»، وهي أفضت إلى إعجاب أو استهوالٍ من قوة الحزب، إلا أنها في وعينا نحن خصومه وأنصاره، جزء من «ذكائه». ونحن هنا سقطنا مرة أخرى في فخ إعجابنا بـ «أب» قائد صاحب سطوة سقط علينا من خارجنا هو الولي الفقيه، وأنكرنا على أمهاتنا قدرة الخرزة الزرقاء على صد الشؤم الذي يتربص بنا.

ثمة شيء أهلي في شعار «المستقبل»، وهو امتداد لشيء غير نزاعي، وصاحبه مسالم وغير راغب في خوض حروب كبرى وصغرى. جل ما يريده أن يكف الأشرار شرورهم عنه. وفي غياب قوته، يناشد صاحب الشعار قوة غيبية كي تحميه. ولهذا تماماً يشبه «المستقبل» بيروت المقترعين بينما يشبه منافسوه بيروت السياسة والحزبية، وهو أمر يرشح التيار للفوز بالانتخابات ومنافسيه للعودة إلى منازلهم عشية الانتخابات كي يعلنوا خيبتهم من ناخب لم يقدّر ذكاءهم.

أميل إلى الشعور كلما قرأت شعارات تيار المستقبل إلى قبول عاديتها وانخفاض منسوب ذكائها وذهنيتها على رغم ما تستدرجه هذه الشعارات من ابتسامات تقارب السخرية. فالانتخابات هي حدث لا يعوزه الذكاء بقدر ما تعوزه القدرة على الوصول إلى أمزجة وغرائز عامة الناس. «المستقبل» لن يتأثر بتدوينات السخرية طالما أن أصحابها من غير المقترعين له. وهو باختياره الخرزة الزرقاء لم يبتعد عن أمزجة المقترعين له. الانتخابات ليست حدثاً نخبوياً، بل على العكس، هي فرصة ليقول المرشح للناخب أنه شبيهه، وبهذا المعنى يبدو اختيار «المستقبل» صائباً.