معاهدات دولية متتالية بلا جدوى

|

في الردع التقليدي، راكمت الدول خبرة واسعة في تبادل الرسائل في شأن الحدود التي يجب التوقّف عندها تحت طائلة تلقي ردّ رادع. ومن النماذج عن ذلك، تحركّات الجيوش ومناوراتها على الحدود وقربها، وزيادة القدرات التسليحيّة في الصواريخ والأسلحة الثقيلة، والتقدّم في تقنيات صنع أسلحة نوويّة وما إليها. في تلك الأمور، يظهر الردع في خطوط حمر يؤدي تجاوزها إلى ردٍّ رادع. من الأمثلة القريبة على ذلك، التجاذب الأميركي الروسي بشأن نشر «الدرع الصاروخيّة» في بولندا، ورسم خط أحمر على التخصيب النووي الإيراني يردعه عن الوصول إلى صنع قنبلة، والتحرّكات الروسيّة البحريّة في بحر الشمال، والمناورات الصينيّة في مناطق النزاع في بحر الصين وغيرها. وعبر مسار طويل، توصّلت الدول إلى توافق بشأن الأعمال العسكريّة التقليديّة يفصل بين ما يشكّل عملاً عدوانيّاً يستأهل رداً، أو يكون تحرّكاً دفاعيّاً ضمن أطر مقبولة من الآخرين.


واستطراداً، لا تصعب رؤية فشل ترامب في الردع الاستراتيجي التقليدي، في شأن كوريا الشماليّة. إذ بدا متخبّطاً في رسم خطوط الفصل، على رغم تكرار التجارب الذريّة والصاروخيّة من بيونغ يانغ، بل انخفض بحدّة من التهديد بـ «زر نووي أكبر» (وهو تهديد وهمي فعليّاً، وقيمة السلاح النووي الاستراتيجي لا تتصل باستخدامه، بل بالنأي عن ذلك)، إلى السعي إلى مفاوضات كان نهى وزير خارجيته السابق ريكس تيلرسون عن الخوض فيها!

وحتى الآن، لم تتوصّل الدول إلى توافق واضح عن الردع في الفضاء السيبراني، وهو معقّد أيضاً لأسباب تشمل اختلاط المدني والحربي فيه، وتداخل المجالين الحكومي والخاص (بل الفردي)، واعتماده على تقنيّات تطوّرها الشركات الخاصة أساساً، لكن مع وجود دول تصنع تقنيّات خاصة بها (كالصين وأميركا)، وعدم وضوح الفارق بين التحرّك الدفاعي والهجومي في الفضاء السيبراني وغيرها.

ذاكرة «الحرب الباردة»

في مثّل عن النقطة الأخيرة، هناك معاهدة «السموات المفتوحة» بين أميركا وروسيا (و32 دولة اخرى)، وهي تضمن الاستطلاع الجوي المتبادل بهدف طمأنة كل طرف عما يملكه الآخر. وأفضت منذ توقيعها في 1992، إلى تحليق طائرات أميركيّة متّفق سلفاً على تسليحها وطبيعة الأجهزة التي تحملها، فوق سماء روسيا. ولم تمارس روسيا طلعات مشابهة إلا في العام 2017.

ولا يوجد ما يوازي ذلك في الفضاء السيبراني. وأحياناً، تدخل دول إلى شبكات بلدان اخرى، مكتفيّة باستطلاع وجمع المعلومات، فيكون تحرّكها دفاعيّاً وليس هجومياً، بالمعنى الاستراتيجي. ولكن، ربما تحوّل الدفاع هجوماً. إذ إن معرفة أساليب دخول الشبكات تفيد في الحروب السيبرانيّة، وكذلك يصعب ضمان أن من يتحرّك دفاعيّاً لا يترك وراءه «أدوات» يستطيع استخدامها في حال الحرب.

ومثلاً، رصدت مؤسّسات الاستخبارات في أميركا تحرّكات روسيا على شبكاتها الإلكترونيّة في الشهور التي سبقت انتخابات الرئاسة 2016، لكنها اعتبرتها عملاً استطلاعيّاً لتجميع معلومات.