أي مصير للمهجّرين إلى إدلب وسواها في شمال سورية؟

مقاتل يودع طفلته. (أ ف ب)
عمر كوش * |

تأتي اتفاقات التهجير القسري، التي عقدها عسكريون روس مع ممثلي تشكيلات عسكرية في غوطة دمشق الشرقية، استكمالاً لمخطط تغيير ديموغرافي ممنهج، بدأ منذ أكثر من ست سنوات، ويهدف إلى تغيير النسيج الاجتماعي للحاضنة الاجتماعية للثورة السورية عبر إفراغ مناطق سيطرة المعارضة من المقاتلين والمدنيين وتجميعهم في مناطق من الشمال السوري، خصوصاً محافظة إدلب، بغية توسيع مناطق النفوذ الروسية والإيرانية وتفريغها من سكانها، في وقت يشهد الصراع على سورية مرحلة تستكمل فيها القوى الدولية والإقليمية الخائضة في الدم السوري مناطق نفوذها وسيطرتها.


ولعل النموذج المتبع في الهجوم الوحشي على الغوطة يحاكي نموذج مدينة غروزني، العاصمة الشيشانية، الذي أشرف عليه فلاديمير بوتين، حين كان رئيساً للوزراء إبان عهد بوريس يلتسن، وأباد فيه تلك المدنية وسكانها، ثم غيّر هندستها الاجتماعية وفق متطلبات النظام البوتيني القمعي. وهو نموذج متأصل في العقل السياسي الروسي، ويرجع إلى حملات الإبادة والتهجير التي تكررت عبر تاريخ روسيا، بدءاً من حملات التهجير التي قامت بها روسيا القيصرية ضد الشعب الشركسي في إقليم القوقاز، مروراً بحملات التهجير القسري ضد الشعب التتاري في شبه جزيرة القرم، وصولاً إلى الحملات الجارية في سورية.

شهدت مدن ومناطق سورية عدة حملات عسكرية بربرية، تهدف إلى التهجير القسري، بدأها «حزب الله» اللبناني وجيش النظام السوري ضد أهالي منطقة القصير، تنفيذاً لأوامر الولي الفقيه القابع في طهران، والمتربع على سدة نظام الملالي الثيوقراطي المستبد والجاثم على صدور الشعوب الإيرانية منذ ثورة الخميني في عام 1979.

ويضرب منهج التغيير الديموغرافي عميقاً في عقلية نظام الملالي الإيراني، الذي يواصل مخطط التغيير الديموغرافي ضد العرب السكان الأصليين لإقليم الأهواز، وتهجيرهم واستبدالهم بمهاجرين مـــن سائر القوميات الإيرانية، بغية تحـــويل العرب في الأهواز من أكثرية إلـــى أقلية في أرضهم. وقد كشف هذا المخطط عبر الرسائل المسربة من مكتب محـــمد خاتمي في عام 2015 إبان فتـــرة رئاسته لنظام الملالي.

وتكررت عمليات التهجير القسري في أحياء حمص القديمة، ثم طاولت مدينة داريا، والأمر نفسه طبق على الزبداني منذ 2015، حيث طالب نظام الملالي الإيراني بمبادلة سكان بلدتي كفريا والفوعة الواقعتين في إدلب بسكان الزبداني الواقعة في ريف دمشق، وتحقق ذلك في ما عرف باتفاق المدن الأربع (كفريا- الفوعة- الزبداني- مضايا). كما طاول التهجير القسري كذلك مدينتي قدسيا والهامة في ريف دمشق في 13 آب (أغسطس) 2016، ثم معضمية الشام في 19 آب 2016.

ولعل أكبر عمليات التهجير القسري تلك التي ارتكبها النظام وحلفاؤه الروس والإيرانيون بحق سكان حلب الشرقية، حيث هجر أغلبهم تحت قصف الطائرات الحربية والبراميل المتفجرة والصواريخ.

ومثلها مثل بقية الحملات العسكرية البربرية على مناطق المعارضة المسلحة، فإن حملة الإبادة والتدمير التي بدأها الروس وميليشيات نظام الملالي الإيراني وميليشيات النظام السوري في 18 شباط (فبراير) 2018 ضد مناطق غوطة دمشق الشرقية، جرت لفرض قانون «التهجير أو الموت» عندما لم يجد سلاح التجويع حتى الموت. وتمكّنت من قتل أكثر من 800 مدني وجرح آلاف آخرين، وأفضت إلى تهجير ما يقارب 200 ألف مدني وحوالى عشرة آلاف مقاتل من «فيلق الرحمن» و «حركة أحرار الشام»، فيما لا يزال «جيش الإسلام» يفاوض الروس على تحسين شروط اتفاق تهجير مع الروس لمقاتليه ولما تبقى من المدنيين في مدينة دوما، الذين يقدّر عددهم بأكثر من 175 ألف شخص.

ويتمسك قادة «جيش الإسلام» بمدينة دوما، بصفتها آخر معقل للمعارضة المسلحة بالغوطة الشرقية، ويأملون في «تسوية مشرفة» مع المفاوضين الروس، لا تفضي إلى إخراج هذا الفصيل المسلح نهائياً من المعادلة السورية، وهو أمر لا يبدو متاحاً، لأن الواقع الميداني يؤكد أن هذا الجيش وقع في مأزق محتوم، سواء بقي مقاتلوه في دوما أم خرجوا منها، ذلك أن بقاءهم لا يمكن أن يتم إلا بتحوّلهم إلى شرطة مدنية وسط عودة سيطرة النظام على المؤسسات فيها وتحت أعلام النظام، أما إذا خرجوا فالاحتمال الأكبر هو أن تكون وجهتهم بلدة إعزاز أو مدينة جرابلس أو الباب أو سواها من مناطق «درع الفرات».

مصير مئات الآلاف

والسؤال الذي يطرح نفسه مع كل موجة تهجير قسري هو: ما مصير مئات آلاف المدنيين المهجرين؟ كيف يعيشون ويتدبرون حياتهم في المنفى الجديد؟ وكيف يستقبلهم السكان؟ وما مصير آلاف المقاتلين المهجرين؟ هل يبقون ضمن تشكيلاتهم العسكرية أم يذوبون في مناطق التهجير، خصوصاً أولئك المقاتلين من المجموعات الصغيرة، ما يفعل هؤلاء؟ هل ينخرطون في فصائل أخرى أم يتحولون إلى مدنيين؟

أسئلة كثيرة من هذا النوع تتبادر مع تزايد أعداد المهجرين قسرياً إلى مناطق ريفي إدلب وحلب، حيث ينتظر، في كل مرة، أهالي إدلب وريفها وصول قوافل المهجرين القسريين على الطرقات، بعضهم يستقبلهم ويفتح بيته لهم، فيما تشارك المنظمات الأهلية والإنسانية في تأمين وتجهيز أماكن سكنهم، حيث تشير التقارير إلى أن محافظة إدلب باتت تؤوي 3.8 مليون نسمة، بينهم 1.2 مليون ما بين مهجر ونازح من مناطق سورية أخرى.

وشكلت هذه المحافظة خلال السنوات القليلة الماضية وجهة أساسية لمقاتلين معارضين ومدنيين تم إخلاؤهم من مناطقهم بموجب اتفاقات مع الروس والإيرانيين والنظام، إضافة إلى أنها باتت مأوى لآلاف السوريين الذين هربوا خلال سنوات الثورة السبعة من محافظات حلب وحماة واللاذقية ودير الزور وسواها، ليتعدى دورها في استيعاب مئات آلاف المهجّرين قسرياً في إطار الاتفاقات التي يصفها النظام السوري بـ «المصالحات الوطنية»، لتشكل محافظة إدلب المعقل الرئيسي لمناهضي حكم الأسد في سورية، لكنها أضحت في وضع غير مريح، لكونها محاصرة من جهات ثلاث، حيث تشكل المنطقة الغربية للمحافظة ما يسمى الخزان البشري للنظام الأسدي، الذي بات يسيطر مع الميليشيات الإيرانية على حدودها الجنوبية، في حين أن الجهة الشرقية يتموضع فيها تنظيم «داعش» وميليشيات نظام الأسد، لتبقى الجهة الشمالية مفتوحة مع تركيا التي بدأت تقيم نقاط مراقبة بحسب اتفاق آستانة.

جرى إدراج محافظة إدلب ضمن مناطق خفض التصعيد في اجتماع آستانة السادس، وتمت تجزئة المحافظة جغرافياً، وتقاسم النفوذ فيها من قبل الرعاة الثلاثة روسيا وإيران وتركيا، حيث قسمت المحـــــافظة إلى ثلاثة أقسام، القسم الأول تحت النفوذ التركي، ويمتد مــــن غرب طريق (أوتوستراد) حلب- دمشق الدولي، يبدأ من ريف حلب الغـــربي، ومناطق متاخمة لبلدة عفرين شمالاً، وتندرج فيه معــــظم محافظة إدلب، ومركز المدينة الـــرئيسي، والمدن والبلدات الكبرى فـــي محافظة إدلب، مثل جسر الشغور وســـراقب ومعرة النعمان، وصولاً إلى جنوب مدينة خان شيخون، والقسم الثاني، يمتد من شرق خط سكة قطار حلب- دمشق، ويشمل أطراف محافظة إدلب الشرقية، ومن بينها منطقة أبو الظهور التي تحوي مطاراً عسكرياً يحمل اسمها، وأجزاء من جنوب حلب وشمال حماة، وهي منطقة نفوذ روسي وإيراني، فيما يمتد القسم الثالث من الشمال حتى الجنوب، أي إلى غرب خط القطار المذكور، وشرق أوتوستراد حلب- دمشق الدولي، ويضم عناصر «هيئة تحرير الشام» وفصائل معارضة أخرى.

وفي محافظة إدلب أكثر من 300 مخيم، غالبيتها عشوائية وغير منظمة ولا تتلقى أيَّ دعم من الهيئات الدولية أو المنظمات الإنسانية العالمية، وتعتمد على مساعدات الجمعيات المحلية. أما المخيمات النظامية التي تشرف عليها تركيا أو منظمات دولية فلم تعد تستقبل نازحين جدداً، لذلك بُنيت مخيمات جديدة لاستقبال المهجرين قسرياً من غوطة دمشق الشرقية.

ويتخوف بعض سكان إدلب من المرحلة المقبلة، والنظرة العامة لأهاليها حيال المهجرين مستمدة في الخوف من ذرائع وحجج قد يسوقها نظام الأسد وروسيا لاستهداف المدينة والمحافظة بعد الغوطة الشرقية، بل إن هناك من يتخوف من هجوم كيماوي أو «نووي» قد يقوم به النظام والروس والإيرانيون كعقاب للمحافظة وسكانها بعد انتهاء سياسة «تجميع» المعارضة فيها، القائمة على حصر أكبر عدد من المعارضين في مكان واحد ليسهل القضاء عليهم، لكن آخرين ينظرون إلى المهجرين قسرياً بصفتهم أهلهم لكنهم يخشون الأسوأ، المتمثل في ما سيفعل نظام الأسد كبداية لانتقام ومجازر قد تحصد أرواح آلاف المدنيين، وبما قد تجعل المحافظة مقبرة جماعية، عقب الانتهاء من تهجير أهالي ومقاتلي الغوطة الشرقية.

أما مقاتلو فصائل المعارضة في إدلب، فإن مصيرهم متباين بعد دخول المحافظة حيث التحق بعضهم بأذرع التشكيلات العسكرية نفسها التي كان منخرطاً فيها، فيما توجه بعضهم الآخر إلى سوق العمل كي يتابع حياته، أو باحثاً عن متابعة دراسته الجامعية، التي انقطع عنها منذ بداية الثورة، وهو أمر ليس سهلاً، لكونه يتطلب تحولاً جذرياً فــــي نمـــط الحياة، من القتال والتوتر الدائم إلى الحياة الجامعية المدنية.

وتشير تقارير إلى أن مجيء المهجرين قسرياً إلى إدلب كان له أثر إيجابي في الحياة الاقتصادية، بسبب التمازج الذي حصل بين المهجرين وأبناء المحافظة، حيث استفاد سكانها من خبراتهم كما استفادوا هم من خبرات السكان، وهو أمر أغنى أصحاب الحرف في شكل كبير ما أدى إلى تنشيط الحركة الاقتصادية، خصوصاً في مجال عمران وترميم المنازل من جديد، إضافة إلى تنشيط حركة العقارات والمواد الاستهلاكية. في المقابل هناك آثار سلبية، حيث شهدت المدن والبلدات ازدحاماً شديداً وأزمة مساكن، ما أدى إلى ارتفاع بدلات الإيجارات، وفوضى في السير على الطرقات العامة، إضافة إلى ما شهدت شبكات توزيع الكهرباء والمياه من ضغط كبير بسبب الاكتظاظ، لكن، بالمجمل لا عوائق حقيقية تمنع اندماج المهجرين قسرياً في محافظة إدلب وسواها.

غير أن التهجير القسري جريمة بحق الإنسانية، لأنه يفضي إلى اقتلاع الناس من جذورهم وقذفهم إلى المجهول. إنها تغريبة طويلة تحمل آلاماً عظيمة، وهناك مقاتلون اضطروا إلى ترك ذويهم عرضة للمجهول، وراحوا يسيرون نحو مجهول آخر، ويشعر كل منهم وكأن روحه ستغادر إلى السماء، حيث تحفر لحظات الوداع في صميم الذاكرة الإنسانية.

وهناك من المدنيين أو المقاتلين من كان حلمه كبيراً جداً، إذ اضطر إلى التخلي عن عمله الذي يعيله على العيش، أو ترك دراسته الجامعية بعد أن أنهى الثانية أو السنة الثالثة، وراح يحلم بسورية بلا نظام الأسد، لكنه بدأ يحس وهو يركب حافلة التهجير الخضراء أن حلمه تلاشى شيئاً فشيئاً.

ويصف بعض المهجرين قسرياً لحظات تهجيرهم بدءاً من صعودهم الحافلة التي ستقلّهم مع آخرين إلى إدلب أو سواها، وكيف ترمق عيناه أباه أو أمه أو قريباً له أو جاراً، فينفجر في البكاء على رغم تصميمه على أن يبقى قوياً حتى النهاية، لذلك يسرع خطواته كي يجلس في مقعد في إحدى الحافلات، وحين تبدأ الحافلة بالتحرُّك يكاد قلبه يخرج من مكانه، فيما تريد روحه العودة إلى نصفها الذي بقي مع أهله وجيرانه.

كتب أحد المهجرين قسرياً: «قضيتُ خمسة أيام في ذلك القبو المظلم الواقع على أطراف مدينة زملكا من جهة عين ترما في الغوطة الشرقية، بعد إعلان التوصل لاتفاق يقضي بترحيلنا إلى الشمال السوري. كنا ننتظر دورنا لركوب الحافلات التي ستقلنا إلى الشمال، لنعيش مرحلة جديدة وغامضة من مراحل الثورة السورية.

تجهّزنا وجلسنا في مقاعدنا، حاولنا إخفاء أي شيء ظنناه ثميناً بين الأمتعة، أو في أي مكان من الحافلة. نسينا أن أغلى ما نملكه تركناه خلفنا... أرضنا وذكرياتنا».

بدأت حدقتا عينيّ تتشبثا الأبنية المدمرة، وتكادان لا تتركانها، وتحاولان حفظ أكبر قدر ممكن من الصور. كنت أتلفّت يميناً وشمالاً مودعاً الأطلال المدمرة، كانت الحجارة تتلاطم تحت عجلات الحافلة، وبدأت الأسلاك المتدلية تعيق حركتنا في الحارات المدمرة.

للمرة الأولى منذ سنوات طويلة نرى أبنية تشع منها الإنارة في شكل كامل، وشوارع مليئة بالسيارات، ومحلات ممتلئة بالأطعمة، بالخبز.

نزلت من الحافلة لأجد أمامي صديقي الذي ينتظرني، وهو قلق جداً. للمرة الأولى ألتقي به شخصياً، عانقته بحرارة وقلت له: لم أتوقع أن نلتقي في هذه الحال... راحت الغوطة».