التحدي الثلاثي لدخل المواطن السعودي

التحدي الثلاثي لدخل المواطن السعودي

مهنا الحبيل |

في استضافة مميزة من إذاعة الرياض البرنامج العام أخيراً للباحث الاقتصادي المعروف عبدالحميد العمري قدم عرضاً موجزاً ومهماً لضرورات رفع الدخل المعيشي للفرد السعودي، وهو بحسب تقديري ما ينبغي أن يؤخذ كمسارٍ عام لكل الدخل المعيشي للمواطنين والمواطنات في كل القطاعات الحكومية أو الخاصة العسكرية أو المدنية، لكن قبل أن أعرض لهذه الرؤية أود أن أوجّه تحية خاصة لإذاعة الرياض على هذه الاستضافة والشفافية، ومنها أؤكد الضرورة القصوى لمنح المساحة الإعلامية فرص تعبير أكبر وبشفافية وصدقية، وأن يدرك الجميع أن تلقي المعلومة لم يعد حصرياً بالوسائط الإعلامية الرسمية بل تجاوزتها بقوة وصعود إلى الإعلام الجديد الذي لا يمكن أن يوقف حتى لو قنن محلياً وسيسعى الناس لمتابعته وتأسيس تقنياته، وعليه فإن تبرير عبدالرحمن الهزاع لوقف وزارة الإعلام عدداً من البرامج وعن تقديمها كالزميل الإعلامي عبدالله المديفر لم يكن مقنعاً، وصحيح أن تبيين الهزاع وجهة نظره وهو مسؤول إعلامي عبر مقالة في صحيفة «الرياض» جيد، لكن من المهم أن يستمع إلى الرد وتُعقد حلقة نقاش للرؤية التي ترى العكس، وهي أنه ليس من المصلحة القومية للوطن حجب الإعلاميين ولا البرامج الجادة.

أما العمري فطرح رؤيته في ثلاثة أصعدة في معرض تبريره لـ «الهاشتاق» الشهير الذي ترصده اليوم حتى بنسخته العربية وسائل الإعلام العالمية، الأول أن إشكالية تفاقم هذه الأوضاع الاقتصادية والشؤون العامة من أسبابها الرئيسة تركها من دون المعالجات الوزارية التنفيذية السريعة، وغياب المناقشة وطرح رؤية وطموح المواطن من الوزير المختص في اللقاءات الوزارية الدورية، وبالتالي ينتظر الجميع تدخل المقام السامي بقرارات ملكية للتصحيح، فيما الأصل أن السلطة التنفيذية يفترض أن تتقدم بمثل هذه المعالجات ومنها زيادة دخل المواطن، وما قاله العمري صحيح تماماً، ونضيف إليه تدخلاً لقوى نفوذ كبيرة لإعاقة العمل التنفيذي قد لا يستطيع المسؤول مواجهة موقفها، وكذلك تعطيل القرارات الملكية الكريمة ذاتها التي أُصدرت لدفع الإصلاح في الشأن العام والحقوقي والتنموي.

أما المسار الثاني فقدم العمري تشريحاً مالياً مهماً جداً، أوضح فيه أن الدولار المربوط به الريال بقرار ربط طوعي فقد 80 في المئة من قيمته الشرائية في السبعينات وهو ما ينعكس على الريال، الذي يفقد ذاتياً قيمة شرائية أكبر، وبالتالي يصب فارق العملة أمام التسوق العالمي أو حتى المحلي الذي تغيرت تقديراته ضد دخل المواطن وتنهشه مباشرة، بمعنى أن 6000 ريال على سبيل المثال هي في الحقيقة 1500 إلى 2000 ريال اليوم. ثم يأتي المسار الثالث في طرح العمري وهو زيادة الأسعار، إذ يرى أنها حجة على المحتجين على زيادة الرواتب وليست عذراً؛ فالمسؤولية عنها رسمية وليست بيد المستهلك، ونؤكد هنا أن هذه الزيادات السعرية كلها عامل ضغط على المعيشة، سواءً التي تقوم على تفاوت العملة النقدية وقيمتها الشرائية، أم زيادة متعمدة تنخرط في منهج تدريجي متسارع تتخذه الحركة البرجوازية الشرسة من بعض التجار المتحالفة مع قوى متنفذة بقسوة، هذه الزيادات غير القانونية والجشعة التي لا تخشى أي مراقبة بعد أن فشلت المؤسسات الرقابية والحقوقية والنزاهة عن وقفها وإحالتها إلى القضاء وإلغاء ترخيصها.

هنا نعود لنستشعر هذا البركان من المشاعر التي عاشها أبناء وبنات الوطن في رمضان ولها تراكمات طويلة، تؤكد أن هناك أنيناً عميقاً في الوضع المعيشي، وحالات فقر متزايدة، واضطراب يؤدي إلى انغماس شامل في مديونيات التمويل المصرفي للطبقة الوسطى، إن الثلاثية التي نحتاج عاجلاً لإقرارها هي أولاً ضبط وإقرار سياسة جديدة للتسويق التجاري للبضائع ومواد المعيشة الرئيسة، من خلال هيئة مركزية يترأسها وزير التجارة، تعطى صلاحيات كبرى وتضم إلى عضويتها ممثلين من الوزارات ذات العلاقة في المواد الاستهلاكية والتسويقية وممثلاً عن وزارة العدل والادعاء العام، لتنشأ لجان قانونية تتعقب الزيادات الفاحشة والتلاعب بالأسعار - خارج دائرة المحاكم التجارية المعتادة - يحال إليها التحالف الإقطاعي.

ويسبق ذلك مباشرة إقرار زيادة رواتب رئيسة تُغطي عجز المواطن المدني والعسكري في الدخل المعيشي، ويوجه بذلك القطاع الخاص ليتناسب المستوى المعيشي للجميع. أما مسار الإنقاذ الآخر فهو الرسوم ذاتها التي تأخذها الدولة من المواطن الفرد وهي لا تزال كبيرة، خصوصاً الماء والكهرباء اللذين أضحيا يقصفان دخل المواطن الشهري فبات ضحية لا يدري من أين تأتيه الصفعة، إن فواتير الماء والكهرباء أو تأشيرة العاملة المنزلية والسائق الخاص هي دخل إضافي ثقيل يعاني منه المواطن، وهو يتم عبر شركات تمتلكها الدولة أو تمتلك غالبية أسهمها أو تمتلك النفوذ عليها كشركات الاتصال، إن ترشيد الاستهلاك لن يتم عبر هذه الأسعار، إذ تراوح فاتورة الكهرباء في أشهر الصيف من 1000 إلى 3000 ريال للطبقة الوسطى، مع ما يشبه فوضى جديدة تجتاح شركة المياه فتضاعفت فواتير المياه بصورة مروعة، كل ذلك يواجهه المواطن والمقيم كذلك الذي له حق في التوازن.

هذه الوسائط الإنقاذية التي اقترحناها ليست تصوراً مستحيلاً سواء عُدلت أم نُفذت، بل مدارات ممكن جداً أن تتحقق، وهي تعالج حال ضيق شرسة يعيشها المواطن في الطبقتين المحدودة والمتوسطة وتزحف على الميسورة، وكل من يشكك أكان وزيراً أو متنفذاً كبيراً، رجاءً تخلّى عن وضعيتك الحالية وخذ راتب رجل أمن خاص - سكيورتي - أو موظف في درجة مدنية حكومية تحت العاشرة، أو معلم أو جندي عسكري وخذ فواتيرهم وحساباتهم المصرفية وقروضهم ثم أسمعنا رأيك، لكن تذكر أن هذا جزء من الحكاية لا كُلها فأنت ستعود إلى منزلك الكبير بعد التجربة فيما الكثير سيذهب إلى شقته المستأجرة وبعضهم إلى سكن متهاوٍ تخفق الأرباح فيهِ.

 

 

* كاتب سعودي.

mohanahubail@hotmail.com