«دوغان ميديا» في قبضة أردوغان وقانون تركي للرقابة على الإنترنت

أ ف ب
محمد خلف |

أحكم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحزبه (العدالة والتنمية) قبضته على أهم منصة للصحافة المعارضة في البلاد ( دوغان ميديا) بعد إرغام مؤسسها ومالكها آيدين دوغان على بيعها إلى شركة (دميروران) المعروفة بقربها من الرئيس الإسلامي بمبلغ 1.2 بليون دولار. ويمتلك هذه الشركة رجل الأعمال يلديريم دميروران.


مارس أردوغان عبر مؤسسات الحكم التنفيذية المختلفة ولفترة طويلة واحدة من أكبر الحملات المنظمة للضغط وفرض الغرامات ضد هذه المجموعة المعروفة بمواقفها الجريئة والقوية المناهضة للسلطة، انتهت في آخر المطاف برضوخ مالكها والتخلي عنها وتسليمها إلى الحكم الذي دأب على ممارسة سياسة تكميم الأفواه المعارضة خلال السنوات الأخيرة.

تمتلك (دوغان ميديا) وحدها حوالى 40 في المئة من وسائل الإعلام التركية ومن بينها صحف (حرييت) و (ميلليت) و (فاناتيك) و (بوستا)، ومحطات تلفزة على رأسها (سي أن أن تورك). واشتهرت المجموعة بوقوفها ضد سياسة حزب العدالة والتنمية وأردوغان مذ كان رئيساً للوزراء، ما دفع أنقرة في العام 2009 إلى فرض غرامة قيمتها 400 مليون يورو على المجموعة بعد اتهامها بالدعاية لحزب العمال الكردستاني الذي تصنفه الحكومة منظمة إرهابية. وكانت صحيفة (ميلليت) كشفت عن محتوى حديث بين أردوغان ومالك المجموعة آيدين دوغان جرى في العام 2014، تلفظ خلاله أردوغان بكلمات جارحة بحق رئيس تحرير الصحيفة لنشرها خبراً عن الزعيم الكردي عبدالله أوجلان الذي يقضي حكماً بالسجن المؤبد في سجن إيمرلي. كما كانت صحيفة (حرييت) هي الأخرى تلقت ضربة قاصمة بعد نشرها العام 2009 تقريراً عن الفساد المستشري في جمعية دينية خيرية قريبة من الحكومة، إذ قام وزير المال بفرض غرامة على الصحيفة تصل قيمتها إلى بليونين ونصف بليون دولار، خفضت لاحقاً إلى 600 مليون دولار تحت تهمة تهرب المجموعة من دفع الضرائب، وهذه الأسباب جميعها اضطرت مالك المجموعة إلى إلغاء عقود عمل الكثير من الصحافيين العلمانيين المعروفين بمعارضتهم للحكم، وباع صحيفتي (ميلليت) و (وطن) اللتين تحولتا منبراً مفتوحاً للحزب الحاكم، وذلك استجابة لضغوط شديدة من مؤسسة الرئاسة. وسرب مقربون من دوغان البالغ من العمر 81 عاماً أنه كان سيواجه السجن، فيما لو استمر في رفضه بيع إمبراطوريته الإعلامية لرجال أعمال مقربين من أردوغان الساعي لإغلاق جميع المنافذ أمام معارضيه وهو يستعد مع حزبه لخوض الانتخابات النيابية العام المقبل. ونقلت مجلة (الإيكونوميست) عن المحللة السياسية التركية إسراء أرسان قولها إن اثنتين من بين كل ثلاث صحف في تركيا التي تمثل نسبة توزيع ساحقة تصل إلى 90 في المئة من إجمالي النسبة الوطنية، تقع الآن في قبضة أوليغارشيين قريبين من السلطة الحاكمة.

تهم جاهزة وغرامات كبيرة

توزع صحيفة (حرييت) يومياً أكثر من 300 ألف نسخة، وتعد واحدة من قليل من الصحف الكبرى التي لا تعد في خانة داعمي أردوغان، إذ أن العدد الأغلب من الصحف المعارضة الأخرى تشتهر بتوجهاتها اليسارية ولا تمتلك قاعدة واسعة من القراء. وبرأي ممثل منظمة (مراسلون بلا حدود) في تركيا أيرول يوندراوغلو أن هذه الصفقة تعني موت التعددية والصحافة المستقلة في تركيا.

في العام الماضي استدعت السلطات القضائية مؤسس (دوغان ميديا) لاستجوابه في تهم موجهة له بتهريب النفط والمحروقات، وذلك بعد يوم من توجيه أردوغان انتقادات لمقال نشرته صحيفة (حرييت) يلمح إلى وجود خلافات بين الحكومة والمؤسسة العسكرية. ونقلت وكالة (رويترز) عنه قوله إن «اتهامات تورط دوغان في تهريب المحروقات ما زالت قائمة، وستبقى مثل سيف ديموقليس مسلطاً على رقبته».

حاول دوغان نفي تعرضه لضغوط من الحكم للتخلي عن مجموعته، وأبلغ صحيفة ( حرييت) بأن «قرار البيع اتخذه شخصياً». وأضاف:» بلغت الثمانين من العمر، ولهذا قررت الآن وضع نهاية لمهنة النشر والإصدار بإرادتي الشخصية». إلا أن وسائل التواصل الاجتماعي فاضت بسيل من التعليقات الغاضبة التي كتبها مواطنون أتراك تندد بأحكام أردوغان السيطرة على الصحافة الحرة والتضييق على الحريات الصحافية والعامة في البلاد. ورأى آخرون أن وسائل الإعلام التي تصدرها (دوغان ميديا) أخدت خلال الأعوام الأخيرة تفقد تدريجياً طابعها المعارض. وقال مواطن تركي على حسابه في (تويتر) إن «المنصات الإعلامية التركية الكبرى كانت في الماضي قادرة على تغيير الحكومات، فيما أصبح الحزب الحاكم الآن يتلاعب كما يريد بالمنصات الإعلامية، ويستخدم وسائل وأدوات مختلفة لتدجين صحف المعارضة والنشرات المستقلة وتكميم أفواه الصحافيين الذين لديهم آراء معارضة للحكم ولأردوغان».

وذكر بيان صادر عن اتحاد الصحافيين الأتراك أن «154 صحافياً يقضون أحكاماً في السجون التركية وفق بيانات تعود لشهر كانون الثاني(يناير) الماضي». وقالت إن السلطة في إطار حملاتها المنظمة لملاحقة الصحف المستقلة والمعارضة قامت بإغلاق عشرات الصحف والمجلات ومحطات الإذاعة والتلفزة المستقلة بتهمة الاشتباه بروابط مع منظمات إرهابية.

رقابة سياسية على الإنترنت

يواصل أردوغان سياسته الخاصة بتحجيم الصحافة المستقلة والسيطرة على حركة تبادل الآراء والأفكار المعلومات في وسائل التواصل الاجتماعي وعلى الإنترنت في شكل عام، فلقد أقر البرلمان مشروع قانون قدمته الحكومة يتضمن إجراءات جديدة مشددة لمراقبة محتوى النشر على الإنترنت وحجب مواقع تعدها غير مرغوب فيها، ما دفع منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان وحرية التعبير إلى الاحتجاج. ونظمت منظمات المجتمع المدني وأحزاب المعارضة حركة احتجاجات تجاهلتها السلطة التي مضت في تطبيق القانون الجديد الذي ينص على منح هيئة تنظيم النشر على الإنترنت صلاحيات التدخل لإزالة أو حذف المحتويات المنشورة التي تعتبرها السلطة معارضة للقانون والسلوك العام. وقال المحلل التركي قدري غورسيل على حسابه في (تويتر) إن» صناعة الإعلام والصحافة التركية في شكل عام أصبحت بموجب هذا القانون تحت الرقابة السياسية المباشرة للرئيس أردوغان». كما سيكون بوسع السلطات حجب مواقع إلكترونية محددة، وحفظ الصفحات الإلكترونية التي يتصفحها مستخدمو الإنترنت لمدة قد تصل إلى سنتين. وأشار الباحث القانوني يامان أكدينز إلى أنه «حتى الآن، كان حجم المحتويات التي تم اعتبارها غير قانونية، محدوداً، ولكن وفقاً للضوابط الجديدة فمن الممكن حظر المحتويات في شكل كامل في تركيا». ويخشى أكدينز أن تقوم السلطات، استناداً إلى القانون الجديد، بحجب مواقع تنشر فيديوات غير مرغوب فيها ومعارضة لأعضاء حزب العدالة والتنمية الحاكم. وأضاف أن السلطات التركية «قد تبرر قرار الحجب بحجة المس بالحريات الشخصية، في حال عدم موافقة الشخص الذي يظهر في الشريط على تصويره». ويعني ذلك أنه في حال «نشر شريط عن رئيس الوزراء فإن التعليمات ستصدر فوراً لوقفه».

ودأبت تركيا على فرض رقابة صارمة على الإنترنت. ففي العام 2007 تم حجب موقع يوتيوب في شكل كامل لمدة ثمانية عشر شهراً. وفي العام 2012 أكدت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أن قانون الحجب يتعارض مع المادة 10 من المعاهدة الأوروبية لحقوق الإنسان التي تضمن حرية التعبير. ويبلغ عدد المواقع المحجوبة في تركيا، وفق التقديرات، أربعين ألف موقع. وكان (غوغل) أورد إحصائيات أوضحت أن تركيا تقدمت بمعظم الطلبات لإلغاء محتويات معينة في بنك معلومات الموقع، مقارنة بغيرها من الدول. فخلال النصف الأول من عام 2013 طالبت تركيا (غوغل) بحذف 12162 مقالا،ً وهو ما يشكل مستوى زيادة في حدود عشرة أضعاف مقارنة بالأشهر الستة السابقة. ووفق الناشط على الإنترنت أحمد سابانجي في حديث مع وكالة (دويتشه فيلله) الألمانية «سيكون بإمكان الحكومة تعطيل حساب معين في فايسبوك أو تويتر لبعض المستخدمين المحددين» ما سيسهل من مهمة الرقيب، إضافة إلى إرغام الشركات التي تقدم خدمات الإنترنت وترغب في الاستمرار في عملها على الانضمام إلى إحدى الهيئات الخاضعة لمراقبة الدولة، حيث يتوجب عليها «البحث عن بدائل للدخول إلى المواقع الممنوعة» وفق أكدينز.

ووفق المنظمة الأميركية غير الحكومية لحماية الصحافيين (CPJ) فإن تركيا تواصل تضييق الخناق على الصحافيين. وقال مديرها غيوفيري كينغ :»تركيا أصبحت أكثر الدول التي يتعرض فيها الصحافيون للسجن مقارنةً ببقية دول العالم».