نبيل نحاس حمل رمز الأرز إلى الفن الأميركي

نبيل نحاس حمل رمز الأرز إلى الفن الأميركي

مهى سلطان |

احتفى لبنان بـ «فنان الأرز» ذي الشهرة العالمية، نبيل نحاس ومنحه رئيس الجمهورية ميشال سليمان وسام الأرز من رتبة فارس، وقلّده إياه وزير الثقافة غابي ليون في حفلة تكريمية أقامته للمناسبة مؤسسة التراث الوطني في المتحف الوطني. نبيل نحاس المهني المثقّف، المتمرد على القوالب والأساليب، الموصوف بالقلق الوجودي، استطاع أن يضيف إلى مدرسة نيويورك التجريدية، حلاوة القوالب الزخرفية الإسلامية، وعطور أشجار الأرز ونشيد الغابات وأساطير فينيقيا أرض الجذور ونجوم بحارها المتألقة في ليل الأزمنة. ولعل المسار الطويل الذي حفره نبيل نحاس في مجال الفن في مدينة نيويورك، يعكس صورة عن حكاية التفوق اللبناني في بلاد الاغتراب.

فنان مهاجر من مواليد بيروت (عام 1949)، قضى الأعوام العشرة الأولى من حياته في القاهرة. كان والده صانع الأقمشة يصحبه إلى معمله حيث كان يبهره النول وألوان الأقمشة. لدى عودته إلى بيروت، أعجب بالتأثيرات الضوئية التي تحدثها قطع الكريستال في متجر والدته وكانت خالته الفنانة التجريدية إيفيت أشقر قدمت له أنموذجاً مبكراًَ عن معنى أن تكون رساماً. تلقى تعليمه في المدرسة الداخلية في عينطورة، حيث أخذ دروساً في البيانو والرسم، وكانت مكاناً للهروب إلى الطبيعة، إلى أن قادته رغبته في احتراف الفن إلى جامعة لويزيانا، ثم إلى قسم الفنون في جامعة يال، وهناك التقى نحاس بأساطين الفن الأميركي من أمثال روشنبرغ وفرانك ستيلا ولاري بونز والناقد كليمنت غرينبرغ. إذاً، البداية من جامعة يال حين اكتشف نحاس «أن أصحاب الأسماء الأسطورية هم أشخاص مثلي ومثلك. وأن حياة الفنان ممكنة».

يقول الناقد فنسنت كاتز: «إذا ما نظرنا إلى المرحلة التي نشط فيها نحاس - منذ السبعينات حتى اليوم - نلاحظ أنها مرحلة صاخبة بالاضطرابات الفنية. حين بدأ نحاس بالرسم، كانت هيمنة الفن التجريدي التي عبّر عنها بقوة الناقد غرينبرغ لا تزال قائمة، لا سيما وقد طرح نظرية هيغلية (نسبة إلى هيغل) تقضي بأن ينقّي الفن نفسه تدريجاً، عبر تخلّيه عن جميع الآليات الإيهامية». في ذلك الوقت ظهرت تقنيات الصب والتقطير والتلطيخ، وكانت المينيمالية والمفهومية ثمرة منطقية للنظرة التقدمية، إلى أن تطورت المفهومية نحو فنون الأرض والأعمال الأدائية.

تأثر نحاس بمنجزات فرانك ستيلا، في معارضه الأولى التي أقامها في السبعينات في صالة روبرت ميلر في نيويورك، غير أن أشكاله الهندسية ظهرت بعيدة من مستطيلات موندريان وألبرز، ومختلفة عن هندسيات أستاذه آل هيلد Held. فهو استخدم الهندسة بأسلوب غير ظاهر تماماً، بحيث يتراجع الانطباع بأن العمل هندسيٌ بذاته، لحساب اعتباره عنصراً زخرفياً، وهي آلية غير مفاجئة نظراً إلى شيوعها في الفن الإسلامي. خلال عامي 1979 - 1980، وقع تبدل جذري في فن نحاس حين اكتسب أسلوب الحافة الصلبة (Hard Edge) سماكة أكبر في الطبقات اللونية. كان صعباًَ كما يقول الناقد كاتز، توقّع خطوة نحاس التالية بعد مسيرته كرسام تجريد هندسي. فجأة ظهرت لوحات سود بعضها ذو حجم كبير وبعضها ذو شكل عمودي يحتوي علامات بيضاء ورمادية، تحاكي خربشات الغرافيتي على الجدران القديمة، وجاءت بمثابة رد مكتوم على الاجتياح الإسرائيلي لبنان عام 1982. ثم بدأت أعماله التي تحررت من القيود الهندسية، تواجه قضية النسب والحجم بأسلوب مستفز، وقد غمرتها جداول من الطلاء الذهبي مع الأحمر والأسود، في محاولة للانسجام مع إرث كبار التجريديين التعبيريين، من أمثال روثكو وبوللوك ونيومان وآخرين جعلوا من الحجم ومن استخداماته المقياسية إنجازاً أميركياً نموذجياً. بعد اللوحات الذهبية شرع نحاس في إنجاز ما يطلق عليه عنوان الرسوم الدائرية، مكتشفاً خامات جديدة وملامس مدهشة. أعقبتها مرحلة Eureka حين ظهر نجم البحر النحاس كعنصر منهجي يكاد يكون هندسياً تحيط بحدود تقلبات الحياة بمدها وجزرها، فبدأ بصنع أشكال حيوانية باللاتكس Latex.

تعتبر لوحته رياح فضية (عام 1977) أول عمل في سلسلة تجارب يستخدم فيها نحاس خليطاً من حجر الخفان وألوان الأكريليك في دفقات محكمة، تبدو على قول كارتر راتكليف في كتيب معرضه في غاليري سبيرون ويستوتر، «مفصولة عن إرث فناني نيويورك... فكل كسرة من اللون ناتجة عن وعي مدروس، بعضها يبدو كنبات نامٍ على أرضية المحيط، بينما يبرق بعضها الآخر بضوء داخلي خفيّ. هناك ملمس مكثف لنوعية المواد يشعر الناظر إليها بأنه في حضرة الشيء ذاته، وليس صورة عنه».

عام 2005 قاد نحاس تجاربه العملية إلى خطوة أكثر انسجاماً مع نظرية الفوضى (ما بعد حداثية غرينبرغ)، والهندسة الكسورية على ضوء فكرة أن الجزئي والكلي متطابقان. لذا، جاءت أعماله الصغيرة نتيجة آلية التفتيت للأعمال الكبيرة في محترفه، بغية الكشف عن الأجزاء والجوانب التي كانت خافية على النظر. أما في أعماله الأخيرة، فأصبحت القفزات التي تتخطى الحدود متوقعة لشدة إتقان الفنان المفاجأة، ليس على الصعيد التقني فحسب بل في طريقة دمجه الواقعية والتجريد بأسلوب تلويني ما بعد التعبيريّ. بعض الأعمال تحمل صوراً واضحة، لأشجار نخيل وزيتون وأرز من موطنه الأصلي، وما هي إلا قصائد لأصوله تخلق مناخاً شعرياً شديدة السطوة والحضور.