المجتمعات المحافظة... والتحرش

زياد الدريس |

مع الانفتاح والتمدد الرأسمالي المتزايد الذي يشهده العالم بأسره الآن، متمثلاً على الخصوص بازدياد فرص عمل المرأة، تتزايد مطالبة مؤسسات حقوقية، وطنية ودولية، بأهمية نشر ثقافة مكافحة التحرش الجنسي في أماكن العمل، وتفعيل قوانين مكافحة هذا السلوك العدواني وتجريم المتحرشين بما يكفي لردعهم عن معاودة الجريمة.


تتحدث مقالتي هذه عن التحرش الجنسي في أماكن العمل تحديداً، وليس في الأماكن العامة أو وسائل النقل الشعبية، فهذه لها تفسيرات تتعلق بالسلوك الشعبي والانضباط الأخلاقي والضبط الأمني، أما التحرش في أماكن العمل فدافعه الأكبر ليس الجنس بل القوة (السلطة)، كما تؤكد على ذلك المتحدثة على منصة TED قريتشن كارلسون، عبر اختزالها لتجارب تحرش جنسي عديدة تعرضت لها هي نفسها أو سيدات عديدات استمعتْ إليهن خلال أكثر من عشرين عاماً كرستها لاستقصاء هذه الظاهرة.

ولأن القوة السلطوية هي الدافع الأكبر خلف التحرش الجنسي في أماكن العمل فإن أكثر أشكال التحرش شيوعاً هو المقايضة (أو المساومة)، وهي الحالة التي يطلب فيها شخص يتمتع بسُلْطة مطالبَ جنسية من شخص ذي سلطة أقل نسبياً، مقابل ترقية وظيفية مثلاً أو امتياز مالي أو تغاضٍ عن مخالفة إدارية ارتكبتها العاملة كالتأخر في الوصول لمقر العمل أو الغياب!

وقد بينت الدراسات الاستقصائية أن الفئة الأكثر تعرضاً للتحرش الجنسي هُن الفتيات تحت 25 سنة، وقد لا يكون هذا بسبب نضارتهن فقط، ولكن بسبب عدم اكتمال قوتهن في مواجهة الموقف، ونقص خبرتهن في التصدي للمتحرش.

طبيعة مكان العمل لها دور في زيادة أو تقليص حالات التحرش، لكن ليس بالضرورة في انعدامها تماماً، فقد أظهر تقرير نشرته بي بي سي أن 20% من العاملين في البرلمان البريطاني قد تعرضوا للتحرش الجنسي خلال العام 2017!

ما سبق من مؤشرات ودلالات متنوعة تؤكد أن تفعيل القوانين والعقوبات هو السبيل الأمثل لمكافحة التحرش، مسبوقاً هذا بالطبع بأهمية توعية العاملات إلى سبل الدفاع عن عفتهن وكرامتهن، والتحذير من الانجرار إلى نهايات مؤلمة بسبب التردد في الإعلان عن البدايات الخفيفة.

من المفارقة، أن يزداد تردد المرأة العاملة من الإفصاح عن التحرش في المجتمعات المحافظة دينياً أو قبلياً، وذلك بسبب الخوف من التأويلات الاجتماعية التي قد تطال المرأة البريئة عند اشتكائها للمجرم المتحرش!

الخبر المفرح، أنه قد يتردد الرجل في المجتمعات المحافظة عن القيام بالتحرش أكثر منه في المجتمعات المتحررة بسبب الخوف من الافتضاح الاجتماعي، لكن الخبر المؤسف أن المرأة في المجتمعات المحافظة هي أيضاً تتردد في الإبلاغ عن التحرش خوفاً من الفضيحة الاجتماعية!

مع ازدياد تمكين المرأة في المجتمعات الخليجية أخيراً تزداد الحاجة إلى أمرين: نشر حملات تثقيفية واسعة عن كيفية مقاومة التحرش في أماكن العمل. وإنشاء قوانين وطنية لعقوبات التحرش الجنسي، أو تفعيلها إن وُجدت ووضعها موضع التنفيذ.

تعطيل المرأة لن يحل مشكلة التحرش، كما يظن البعض، لكن تعطيل قوانين مكافحة التحرش هو الذي سيفاقم المشكلة.

* كاتب سعودي

ziadaldrees@