ناتالي بورتمان: الاشتباك التراجيدي مع أحزان بشر بعيدين

موسى برهومة |

أن ترفض ناتالي بورتمان تسلّم جائزة مقدارها مليون دولار، لا يعني أنها مستغنية عن هذا المبلغ الكبير، أو غير عابئة بالمال أو الجوائز، لكنه يعني أنّ ثمة مبادئ تتقدم وتحتل المرتبة الأعلى في الاهتمام عندما يتصل الأمر بأرواح البشر، ودماء الضحايا.


بورتمان قالت بنبرة لا تخلو من حزم ووضوح إنها ترفض فعالية تسلم الجائزة (Genesis Prize) التي تمنح سنوياً لشخصية يهودية معروفة في العالم، وتعتبر بمثابة «جائزة نوبل في العالم اليهودي».

وعلى رغم الضغوطات التي تعرضت لها الممثلة الأميركية من أصول يهودية، لثنيها عن قرارها، ومحاصرة أسبابها في رفض الجائزة، وتحجيمها، إلا أنها ظلت مصرّة على السبب الرئيسي لقرارها، والمتمثل في رفضها اضطهاد الفلسطينيين على يد الإسرائيليين وحكومتهم التي يقودها بنيامين نتانياهو الذي كان مقرراً أن يلقي خطاباً في حفل تسليم الجائزة.

أعلنت بورتمان تضامنها الواضح مع الفلسطينيين الذين سقطوا خلال تظاهرات «مسيرة العودة الكبرى» التي أوقعت أكثر من أربعين شهيداً، وأكثر من ثلاثة آلاف جريح، وذكّرت بـ «الفساد وعدم المساواة وسوء استغلال السلطة» من قبل حكومة نتانياهو.

وعبر حسابها على «إنستغرام»، عقدت نجمة هوليوود مقارنة عميقة لجهة تحوّل الضحايا إلى جلادين، فهي أشارت إلى أنّ «إسرائيل أقيمت قبل 70 عاماً من قبل الناجين من الهولوكوست، لكنّ اضطهاد الذين يعانون من فظائع اليوم لا يتوافق مع قيمي اليهودية، وينبغي عليّ الوقوف في وجه العنف».

ما يهمّ في موقف ناتالي بورتمان أنها اختارت المواجهة والتصادم مع أخلاقيات القطيع، وتحديداً في الولايات المتحدة، التي يهيمن عليها لوبي لئيم له أبواق دعاية قادرة على لجم أي أصوات مندّدة بإسرائيل ونظامها العنصري البغيض. كما أنّ في تفسير بورتمان إشارات عميقة تبدّد مزاعم أولئك الذين يلوّنون جرائمهم ضد الفلسطينيين بصبغة دينية. فالقيم الدينية قبل أن تلوثها التفسيرات الانتقائية تحضّ على قيم الخير والعدل والمحبة، وهو ما يتعيّن ألا يغيب عن أي سجال يتصل بمفهوم الحق.

ولا نستطيع أن نحمّل نجمة «البجعة السوداء» الذي حازت بسبب أدائها الخلاق فيه جائزة الأوسكار لأحسن ممثلة، أكثر مما يحتمل موقفها الإنساني النظيف الذي يتعاطف مع آلام الضحايا، فهي عبّرت عن لحظة صدق وانسجام تام مع الذات، وأطلقت صوتها في وجه العاصفة، من دون أن تكون مطالبة بتقديم مرافعة سياسية تبدو معها أنها تدعو إلى تقويض دولة إسرائيل، والاعتراف بفلسطين التاريخية من البحر إلى النهر.

ما فعلته بورتمان يرقى إلى مستوى الاشتباك التراجيدي مع أحزان بشر بعيدين كان بمقدورها ألا تلتفت لمكابداتهم، لكنّ نبضاً في عروقها حفزها على عدم البقاء في منطقة الصمت، التي يعدّها كثيرون من نجمات ونجوم هوليوود، منجاة من اللوم الذي قد يقود إلى خسائر وفقدان امتيازات، وسوى ذلك مما هو زائل وسريع الانطفاء.

وكانت إسرائيل عرضت قبل عامين استضافة 26 نجماً من هوليوود كانوا مرشحين لجوائز الأوسكار لزيارة تل أبيب، لكنهم رفضوا، وكان من بينهم، ليوناردو دي كابريو، ومات ديمون، على رغم الإغراءات التي قدمتها شركة تسويق إسرائيلية في سبيل ذلك.

قبل واحد وأربعين عاماً على موقف بورتمان، وقفت الممثلة فانيسا ريدغريف في احتفال الأوسكار عام 1977، وأدانت، وهي الحائزة على جائزة أفضل ممثلة ثانوية، «السفاحين الصهاينة» من على المنصة، وأعلنت معاداتها الصهيونية. وسبق ريدغريف بأربعة أعوام، مارلون براندو الذي رفض جائزة الأوسكار لأفضل ممثل عام 1973 عن أدائه في فيلم «العراب» دعماً للهنود الحمر الذين همشتهم أفلام هوليوود، ثم عاد وأكد قبل رحيله، كما نقل عنه المخرج التونسي رضا الباهي، ندمه على مواقفه المؤيدة في شبابه لإسرائيل، معلناً تضامنه مع الشعب الفلسطيني، ووقوفه مع حقوقه العادلة.

هؤلاء وسواهم، ليسوا نجوماً في سماء هوليوود، وحسب، بل نجوم في ليل تاريخ، تتأرجح في عتمته شمعة الحق، ولا تنطفئ!

* كاتب وأكاديمي أردني