علماء الوراثة يحوّلون الأشجار مصدراً لوقود الـ «إيثانول» الحيوي

إعداد أحمد مغربي |

يسعى المختصون في علوم الجينات إلى إعادة تصميم التركيب الوراثي (الجيني) للأشجار بحيث تتحوّل مصدراً جديداً للطاقة! ويستخدم هؤلاء تقنيّات متقدمة في الهندسة الجينيّة لإحداث تغيير في تركيبة الخشب. وفي المقابل، فإن تلك التقنيّات تثير كثيراً من الجدل حولها. كيف لا وهي تطرح دوماً أفق الصراع بين البشر والحيوانات والحشرات وما لانهاية له من الكائنات الحيّة من جهة، والسيارات والمركبات والمدافئ والمبردّات من الجهة الأخرى؟ هل يمكن التغاضي عن واقع أن ما يسمى «وقود حيوي» إنما يعتمد على النبات والأشجار التي باتت مصادرها تتضاءل باستمرار، مهددة مسار الحضارة الإنسانية، بل مجمل ظاهرة الحياة على الأرض؟

وفي مساعيهم لتحسين كفاءة استخراج الطاقة من الأشجار والنباتات، يركز المختصون على تقليص كمية مادة «الليغنين» في السيلولوز، وهو النسيج الأساسي في الأشجار، ما يحوّل أخشابها إلى أحد أكثر أنواع الوقود الحيوي انتشاراً، وهو الـ «إيثانول» Ethanol. ويغطي الليغنين السيلولوز الذي يتركّز في جدار الخلية، فيصبح من الصعب تفكيكه وجعله سكراً بسيطاً من الممكن تحويله إلى إيثانول. وطوّر البروفسور فينسينت ل. شيانغ، المدير المساعد في «مجموعة التكنولوجيا البيولوجية للغابات» في جامعة «نورث كارولاينا»، أشجار مُعدّلة وراثيّاً تحتوي على نصف كمية مادة الليغنين الموجودة في الأشجار الطبيعيّة.

وفي المقابل، يعتبر بعض علماء البيئة أن ذلك العمل وما يشبهه لا يخلو من الخطورة، لأن مادة «الليغنين» تعطي الأشجار بنيتها الصلبة، وتزيد مقاومتها للحشرات المضرة. ويقرّ بعض العلماء الذين يعملون على تغيير تركيبة الخشب بتلك المعطيات المقلقة.


وفي ذلك الصدد، أعلن شارون مانسفيلد، وهو أستاذ مساعد في «علم الخشب» في جامعة «بريتيش كولومبيا» أنه «لو كانت الأشجار قادرة على العيش في تلك الظروف، لكانت الطبيعة اختارت الأشجار التي تحتوي على كمية أقل من مادة الليغنين».

وكذلك أعلنت سوزان ماك كورد، المديرة التنفيذية في «معهد التكنولوجيا البيولوجية للغابات»، ومقره مدينة «رالاي» في ولاية «نورث كارولاينا» أنها تعتقد بأن «الناس لن ينظروا إلى تلك الأشجار المُعدّلة وراثياً كمصدر للمحاصيل».

وفي المقابل، يقترح بعض العلماء تعديلاً وراثياً مزدوجاً للأشجار، بحيث تعطي السيللولوز القابل للتحوّل وقوداً، إضافة إلى رفع قدرتها على امتصاص ثاني أكسيد الكربون، فتساعد بالتالي على مكافحة الإحتباس الحراري.

الأساس العلمي للوقود «الأشجاري»

ترتكز محاولة استخراج الإيثانول من الخشب المُعدّل وراثياً إلى التدخل في العملية التي تصنع بواسطتها الشجرة «الليغنين» والسيلولوز.

ويتبعون في ذلك طرقاً متنوعة. وفي إحداها، يتدخل العلماء في الجينات المسؤولة عن إنتاج الأنزيم الذي يكوّن مادة الليغنين. ويوقفون عمل تلك الجينات، ما يقلّل انتاج ذلك الأنزيم وتالياً ينخفض انتاج «الليغنين». وتستطيع تلك الطريقة خفض كمية «الليغنين» إلى النصف.

وتنتقد آن بيترمان، زعيمة حملة وقف هندسة الأشجار جينيّاً، ذلك المسعى العلمي، بل تعتبر أن الشركات العملاقة تستغل المخاوف العامة إزاء الطاقة لبيع تلك التكنولوجيا المثيرة للجدال.

وكذلك يعرف نشطاء البيئة جيّداً أن الشركة الأميركية الأبرز المنخرطة بكثافة في بحوث الهندسة الجينيّة لغابات الأشجار، هي شركة «أربورجين» Arborgen. وعلى رغم أنها شركة مفردة، إلا أنها مدعومة من 3 شركات تتعامل مع منتجات الأحراج هي «إنترناشينول بايبر» و»ميدوسيتافكو» و»روبيكون»، والتي تتخذ من نيوزيلاند مقراً لها. وتُعدّل شركة «أربورجين» (مقرها في مدينة «سامرفيل») شجرة الأكاليبتوس التي تحتوي أصلاً على كمية ضئيلة من مادة الليغنين. وتسعى لنشر تلك الأشجار في أميركا الجنوبية التي تعتبر ميداناً مفتوحاً لشركات الورق والوقود الحيوي.

والمفارقة أن الشركة عينها تُدخل تعديلاً آخراً على شجرة الأوكاليبتوس بحيث تقاوم الطقس الرديء، فتنمو أكثر، لكنها تنشر تلك الأشجار في الولايات المتحدة!

وأعطت وزارة الزراعة الأميركية موافقتها على شجرتين مُعدّلتين جينياً من نوعي «البابايا» والخوخ، تقاومان فيروساً يضرب ثمارهما.

معروف أن الصين تنفرد بموافقتها على استزراع أشجار مهندسة جينياً في الغابات. وتنتمي تلك الأشجار إلى فصيلة الحور، لكن يجري تعديلها كي تقاوم الحشرات المضرَّة.

وتطرح غابات الأشجار الغابات التي تستطيع العيش من دون الحاجة إلى مجهودات كبيرة من المزارعين، أسئلة عميقة عن تعديلها جينيّاً.

إذ تشير عالمة البيولوجيا كلير ويليامز إلى أن الهواء ربما يحمل لقاح بعض الأشجار كالصنوبر، لمئات الأميال. وإذا جاء اللقاح من أشجار عُدّلت بحيث تحتوي كميات خفيضة من «الليغنين»، فإن ذلك يعني انتشارها وتلاقحها مع بقية الأشجار البريّة. النتيجة؟ غابات أشجار ضعيفة لا تقوى على مقاومة الحشرات فتذوي، ما يحمل كابوس فناء جماعي للغابات!

وتلفت ويليامز أيضاً إلى أن حياة الأشجار الطويلة لم تسمح للعلماء لحد الآن بتقيّيم عواقب التعديل الجيني على المدى الطويل. ويكفي القول بأن شجرة الصنوبر تحتاج إلى 25 سنة لتبدأ في إعطاء الثمار.

آراء متضاربة وطبيعة متقلبة

في المقلب الآخر من المشهد عينه، يعلن ريتشارد ميلان، أستاذ مساعد في علم وظائف (فيزيولوجيا) الأشجار في جامعة «بيرديو» الأميركية، أن التعديل الوراثي هو الطريقة الوحيدة لتأهيل الأشجار كي تستخدم في إنتاج الطاقة... يجب استزراع غابات منها، مع الحفاظ على غاباتنا البرية.

وعلى عكسه كلياً، يؤكد ستيفن ستراوس، أستاذ في علم الغابات في جامعة «أوريغون»، الذي أنجز تجارب ميدانية على الأشجار المعدلة وراثياً، أن التلاعب بالتكوين الوراثي للأشجار بتلك الطريقة، لا يجب أن يجري بالاعتماد على نتائج جزئية لتجارب المختبر، وهو ما تقترحه الشركات راهناً.

وفي سياق متصل، يشير جيفري بيدرسون، الباحث الأميركي في علم الوراثة، إلى احتمال حدوث تكيّف طبيعي في الأشجار المُعدّلة التي تحتوي نسبة خفيضة من «الليغنين»، ولكنه يرى أن ذلك الأمر يحتاج إلى بحوث أوسع.

ويضيف شيانغ الذي يعمل لمصلحة شركات استخراج الإيثانول من الأشجار المعدّلة جينياً، بُعداً آخر إلى ذلك النقاش بإشارته إلى إجراء اختبارات ميدانية حالياً خارج الولايات المتحدة من قبل شركات لا تريد الكشف عن هويتها!

وفي سياق مماثل، تؤكد شركة «أربورجين» أنها تهدف الى تقليص مادة الليغنين بنسبة لا تزيد على 20 في المئة، لتحاشي إضعاف الأشجار.

وعوضاً عن تقليص مادة الليغنين، يحاول الباحثون في جامعة «بيرديو» سلوك درب مغاير.

وتشير كلينت شابل عالمة في كيمياء الأشجار، إلى أنه من الممكن صنع مادة الليغنين من خليط يتألف من نوعين من الكحول. وتقترح إحداث تعديل جيني يسمح للخليط بالحلول «الليغنين»، ما يسهل عملية الحصول على الإيثانول.

ويذهب ميلان إلى حد اقتراح البحث عن أشجار طبيعيّة في البرية تحتوي أخشابها على الخليط الكحولي، ثم العمل على مكاثرتها، ما يلغي الحاجة إلى التلاعب الجيني.