صدمات المجتمع السعودي الثلاث

محمد المزيني |

يعد مجتمعنا السعودي، مقارنة بالمجتمعات العربية الأخرى، ناشئاً. دشنت مراحل تكوينه الأولى مع توحيد أجزاء من الجزيرة العربية تحت لواء واحد، تمظهرت في سمة أو وسم جديد موحد تخطى كل الوسوم المميزة لبعض الجماعات، لتندرج تحت مواطنة وحدوية ذات قوالب وقيم محددة وواضحة المعالم والاتجاهات، فـ«المملكة العربية السعودية» هذا الوسم الجديد لدولة قوية وفتية ومتطلعة، انتزعت المجتمعات المنغلقة على ذاتها في سياقات تاريخية متباينة، لتضعها في سياق اجتماعي واحد يخضع لعوامل الجذب والتكوين المتفاعل بين كل أطيافه وجهاته، لم يكن ليتم «صبّ» هذه المجتمعات في قالب واحد لولا الإدارة السياسية الحكيمة والعادلة ذات النظرة الثاقبة للمستقبل.


وما يتفاعل داخله من تحولات قد تبدو لمجتمعات أخرى غير المجتمع السعودي أنها صعبة التحقيق، وخصوصاً تلك المجتمعات التي عانت من ويلات الاستعمار، ودخلت في دهاليز الألعاب السياسية والتسابق المحموم إلى منصات السلطة، وعانت طويلاً من فقدان الهوية، بينما السعودية حديثة التأسيس، اعتمدت في بنائها على الهوية الإسلامية، واستمدت قوتها وسلطانها منها، لذلك بدت نفسياً وروحياً متماهيةً مع أي تحول يصب في هذا السياق والانجذاب إلى كل المتغيرات التي تواكب حاجاته النفسية والروحية والمادية، إلا أنه ظلّ حذراً متوجساً من كل ما يخالف أو يتناقض مع تلك الحاجات.

لذلك، خضع طوال حياته ما بين مد وجزر لثلاث تحولات رئيسة وجذرية وعميقة صادمة (دينية واقتصادية وفكرية).

بدأت الصدمة الأولى بمناهضة كل ما يتعلق بمستحدثات الدولة الجديدة، الآخذة بأسباب التقدم، وخصوصا بعد اكتشاف النفط، إذ استبد الخوف بالناس من تماس هذا التغيير مع الهوية الدينية وتعارضه معها، لتبرز مظاهر الرفض عند بعض الجماعات الإسلامية الراديكالية؛ استطاعت الدولة السيطرة عليها واقناعها بها إلى حد ما، وهو ما أبقى الباب مواربا للجماعات الإخوانية الحزبية لاحقا للتسلل منه، إذ عثرت على أرضية صالحة لغرس أفكارها وقيمها وتأجيج الروح الدينية المناوئة للتجديد والتحديث، وكانت ثورة جهيمان عام 79 البوابة الأهم لاقتحام البيت السعودي بكل ثقة وتمكن، لتتغلغل بين مفاصل المجتمع وخصوصياته، ليصبحوا أسياد الرأي والرؤية.. لا يشق لهم غبار ولا تثنى لهم كلمة.

تزامن هذا التحول الديني الصحوي مع التحول الاقتصادي، إذ انفتحت خزينة الدولة على الناس بغية تعجيل وتيرة التغيير، الذي كان مفتاحه الحقيقي صندوق التنمية العقاري، في هذا الزمن، أعني زمن الطفرة، خرج الناس من أحياء بسيطة ينفتح بعضها على بعض إلى أحياء واسعة تلاشت داخلها قيم الجوار، فمن بيوت صغيرة تعج بالأبناء والأحفاد إلى منازل تقتطع أحيانا حيزا كبيرا من الحي لا يقطنها إلا بضعة أفراد.

الطفرة عصفت بحياة الناس وركب رياحها الصحويون، مستثمرين الحس الديني ذي الضغط العالي، الذي أفاد منه شيوخ الصحوة بتكوين ثروات طائلة عبر طرق كثيرة، من أهمها جمع التبرعات باستغلال الجمعيات الخيرية، وبرز بينهم شيوخ أغنياء يمتلكون الشركات والمدارس الأهلية الدينية، كل ذلك كان يتم بمعزل تام عن روح الإنسان البسيطة والطبيعية. لقد لعب الزمنان - زمن الصحوة وزمن الطفرة - دوراً كبيراً في صياغة مجتمع مَقُود هامشي لا يعبر عن نفسه إلا من خلال سلطتي المال والدين الجديدة وقيمه المؤدلجة، التي قلبت حياة الناس رأسا على عقب؛ محددة سمات المجتمع بقلم «هاي لايت» عريض ما بين أغنياء وفقراء.. متدينين حركيين صحويين وبين علمانيين، ومن أراد النأي بنفسه من التجار عن شبهة العلمنة أسهم بتغذية هذه الحركة الصحوية بالمال، بذلك بات المجتمع أكثر من 40 سنة محكوما بإرادة دينية عليا لا تقتفي قيم الإسلام الأخلاقية الحقيقية، بل وضعت لها موازين قيمية صارمة جسدت بشكل واضح في كثير من الجامعات والهيئات والمدارس والجمعيات، وكانت بمثابة الأعين المراقبة والمتوجسة المسكونة بالتحري والتجسس، والتعقب وأحيانا البطش، نتجت من هذا أزمة حقيقية، إذ أصبحت الأسر مدفوعة بعقد الخوف لأن تصبح معزولة عن واقع الحياة الطبيعية، من هذا الواقع المأزوم بغيره خرجت حالات نفسية كثيرة لم يكن المجتمع يعرفها، كالاكتئاب والوسواس والفصام، وقد تتعدد الحالات في الأسرة الواحدة، بحسب حجم العقد التي تعيشها، منها تكون مجتمع «هش» غير قادر على مواجهة الحياة الحقيقية، والولوج في معمعتها بلا رصيد تربوي ومعرفي جيد يجعلهم قادرين على فهم خريطة الحياة، والدخول بين أزقتها وحواريها من دون الارتطام بحائط صد يعيدهم إلى الوراء بضعة أميال، حتى جاءت الصدمة الثالثة، المتضمنة في رؤية التحول 2030 وبرامجها، التي حررت الإنسان من عقدة ارتباطه بالآخر المتسيد عليه بحس ديني وشعار حزبي، جاءت القرارات الحاسمة باقتلاع الصحوة وملحقاتها من حياة الناس، بمثابة البشير الذي ألقي على عقول الناس، لترتد إليهم بصيرتهم وتتحرر من أغلالها، لتمارس حياتها بلا وصاية أو ملاحقة أو اتهام. هذا الاستشعار الطاغي بالحرية المستلبة أعاد إليهم ثقتهم بأنفسهم أولا، وبقيادتهم التي منحتهم إياها، ونحن نعلم جيدا أن البداية، أعني بداية الصدمة، ستكون صعبة على كثير من الناس الذين لا يستطيعون رؤية أنفسهم خارج الإطارات القديمة، وهذا ناتج من تمكن الحبال الغليظة الملقاة على عواتقهم من مخلفات الصحوة، التي التبست بالعادات والتقاليد وساندتها لتمرير قيمها، فهم كمن عاش مقعدا سنوات طويلة ثم استشعر أن قواه بدأت تعود إليه، قبل النهوض من كرسيه المتحرك سيستشعر صعوبة كبيرة أولها، وقد يحتاج إلى وقت طويل حتى تعود إليه ثقته كاملة بنفسه، ووقت آخر حتى يتعلم المشي من جديد على أرض ثابتة.

لذلك، لن نتخلص من آثار هذه الصدمة حتى تأخذ الحياة الجديدة صيرورتها الكاملة. ثمة أخطاء ناتجة من التجريب، وهذه ضريبة طبيعية لبداية الأشياء الجديدة، فقيادة المرأة السيارة ومشاركتها الرجل في مواقع العمل والسينما، هي وإن كانت صادمة لكثير من الناس، بحكم عدم التعود، فإنها ستدخل ذات يوم في حكم العادة والتقليد الطبيعيين، المهم أننا بدأنا رحلة التغيير الحقيقية والعميقة والجريئة جدا، لذلك ولكي نحافظ على هذه المكتسبات علينا أن نوجد ضمانات ترسخ قيمها، مع أهمية سن قوانين أخلاقية متوازنة تمنح الإنسان حريته في اختيار شكل ومضمون حياته، من دون توجيه أو ضغط.

* كاتب وروائي سعودي.

almoziani@