كلام على فشل المعارضة السورية وضياع وحدة الأرض والشعب

نزار عبد القادر |

نجح النظام السوري، وبدعم من حلفائه الروس والإيرانيين، في تحقيق انتصار عسكري على فصائل المعارضة في الغوطة الشرقية. ولكن لا يبدو أنه سيكون بمقدور النظام وحلفائه الاحتفال بهذا النصر وتوظيفه سياسياً في ظل التحرك الديبلوماسي والعسكري الغربي الذي تقوده الولايات المتحدة، وبمشاركة كل من فرنسا وبريطانيا، من أجل معاقبته على استعمال السلاح الكيماوي في مدينة دوما ضد المدنيين، والذي أدى الى قتل العشرات وتسميم المئات منهم... ويبدو أنه توافرت للدول الثلاث المعلومات التي تؤكد حصول هذا الهجوم الكيماوي، ولم تعد هناك حاجة لانتظار نتائج عمل لجان تحقيق دولية بعد كشف ميداني تجريه في دوما. لقد أحصت المؤسسات الدولية المتخصصة في حماية المدنيين وحقوق الإنسان حصول 33 هجوماً كيماوياً خلال سنوات الحرب في سورية، منها كانت من قبل النظام. وبالفعل فقد شنت كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا هجوماً جوياً وصاروخياً لمعاقبة النظام على فعلته.


سعى النظام ومعه روسيا وإيران من خلال استعادة السيطرة على الغوطة الشرقية لتحرير العاصمة من الحصار المفروض عليها منذ عام 2012، ولتأكيد مشروعية نظام بشار الأسد على كامل مناطق «سورية المفيدة»، متناسية أن استرجاع سيادة الدولة السورية لن يتم إلا إذا استرجعت السيطرة على كامل حدودها القانونية. وهو الأمر الذي يبدو مستحيلاً في المدى المنظور.

من الواضح أن السلطة السورية لا تسيطر في الوقت الراهن إلا على الممرات الحدودية مع لبنان، بينما تخضع جميع الحدود الأخرى لقوى مناوئة للنظام. تسيطر على الحدود مع تركيا قوى عديدة، إذ تسيطر القوات التركية و «الجيش السوري الحر» على قسم يمتد من جرابلس الى عفرين وقسم من محافظة إدلب، وتسيطر الفصائل المعارضة على قسم من الحدود في محافظة إدلب، أما إلى الشرق من جرابلس ووصولاً الى مثلث الحدود السوري العراقي– التركي في الحسكة فتسيطر عليه وحدات حماية الشعب الكردي، بالإضافة إلى قوات «قسد» مع وجود قواعد أميركية موزعة ما بين الحدود والرقة وشرق الفرات في محافظة دير الزور. وتسيطر الولايات المتحدة على التنف بينما تسيطر مجموعات معارضة بما فيها بعض المجموعات من «داعش» على بقية المناطق المحاذية للعراق. أما الحدود مع الأردن فإنها ما زالت تحت سيطرة فصائل المعارضة وتمتد سلطة هذه الفصائل باتجاه خط الجولان في المنطقة الجنوبية الغربية.

يدرك النظام ومعه كل من الروس والإيرانيين أنه لا تمكن استعادة السيطرة على هذه المناطق الحدودية، إذ ستؤدي أي محاولة إلى الاصطدام مع تركيا أو الولايات المتحدة أو إسرائيل.

يضاف إلى فقدان النظام القدرة على استعادة السيطرة على معظم حدود سورية مع الدول المجاورة، أنه وعلى رغم العمليات العسكرية التي خاضها مع حلفائه الروس والإيرانيين و «حزب الله» واستعادته السيطرة على عدة مناطق حيوية كحلب الشرقية وقسم كبير من ريفها الجنوبي والشرقي، وبعض مناطق ريف حماه وحمص ومنطقة القلمون والغوطة الشرقية والغربية، فإن 45 في المئة من الأراضي السورية ما زالت خارج سيادة النظام، وهي موزعة بين ما تحتله تركيا في ريف حلب الشمالي، ومحافظة إدلب وريف حماه الشمالي الذي تسيطر عليه قوات المعارضة، ومناطق الرقة ودير الزور والحسكة التي تسيطر عليها وحدات حماية الشعب الكردي وقوات «قسد» والمدعومة أميركياً يضاف إليها مناطق البادية المحاذية للحدود العراقية والمناطق المحاذية للحدود الأردنية وقسم من خط الفصل في الجولان.

أدت انتفاضة الربيع العربي في سورية إلى تغييرات أساسية، خسر من خلالها النظام السيطرة على معظم حدوده البرية، ومنذ سنوات يحاول النظام بكل قدراته العسكرية والأمنية ودعم مباشر من حلفائه استعادة السيادة وشرعية الدولة دون جدوى. ويبدو بوضوح أنه لم يعد بإمكانه تحقيق ذلك في ظل التعقيدات العسكرية الراهنة، بعد تدخل قوى إقليمية كتركيا وإسرائيل في الصراع على النفوذ في سورية، بالإضافة إلى الولايات المتحدة الأميركية التي تدخلت بقواتها الجوية والبرية لمؤازرة القوات الكردية. ويرجح الآن دخول كل من فرنسا وبريطانيا إلى حلبة الصراع بعد العملية العسكرية التي قادتها الولايات المتحدة للاقتصاص من النظام. إن حدود الدولة التي يسيطر عليها نظام بشار الأسد وحلفاؤه لم تعد تتطابق مع الحدود القانونية للدولة السورية التي رسمها الانتداب الفرنسي، انطلاقاً من مناطق النفوذ التي حددها اتفاق سايكس بيكو.

ترافق فقدان الدولة السورية السيطرة على معظم حدودها مع الدول المجاورة، مع خسارة مساحات شاسعة في الشمال والشرق والجنوب والجنوب الغربي، إذ تدير هذه الحدود والمناطق قوى الثورة والقوات الكردية والقوات التركية والأميركية، بالإضافة إلى مجالس محلية وقوى الأمر الواقع. إن ما يزيد في خسارة النظام لشرعيته يتمثل في تراجع قدرته على تقديم الخدمات الأساسية لشعبه حتى في بعض المناطق التي استعادها من فصائل المعارضة المسلحة.

لقد حلت المجموعات المسلحة مكان النظام السوري في العديد من المناطق حيث شكلت إدارات محلية لتقديم الخدمات الضرورية من كهرباء وماء وخدمات صحية ومراكز تعليمية للسكان المتواجدين في مناطق نفوذها. صحيح أن المجموعات المسلحة تبذل جهدها لتقديم هذه الخدمات من أجل كسب الشرعية الشعبية لوجودها، لكن تبقى هذه الخدمات جزئية ومتقطعة، وهي تفتقد التنسيق الأفقي بين المناطق والتكامل العمودي.

منذ عام 2012 تحولت المساحة السورية إلى بساط من الفسيفساء تختلف كل قطعة منه عن الأخرى سواء بسبب طبيعة وأهداف وأيديولوجية القوى التي تسيطر عليها، ومدى الدمار التي لحق بها، وتوافر الموارد الطبيعية التي تملكها وقدرتها على التواصل مع جيرانها، بالإضافة إلى حالة الأمن والاستقرار السائدة. لا بد من الإشارة هنا إلى أنه لا تتوافر خطوط ثابتة وواضحة بين أجزاء هذه الفسيفساء، وأن المخاطر لا تقتصر على حدود الاجتزاء، بل قد تهددها بالكامل جراء القصف المدفعي أو الجوي، على غرار ما حصل أخيراً في الغوطة الشرقية، وقبلها في حلب وريفها، وعلى غرار ما تتعرض له إدلب الآن، حيث لا تتوافر الظروف الملائمة للسكان للعيش والعمل بصورة طبيعية.

تشكل عملية السيطرة على الحدود مع الدول المجاورة قيمة عسكرية عاليه بالإضافة إلى أهميتها إلى القوى المسيطرة عليها من أجل إظهار عدم شرعية النظام القائم في دمشق. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن للحدود قيمة استراتيجية للمعارضة، حيث تسمح بالعبور من الدول المجاورة وإليها وتفتح بالتالي المجال لاستقدام السلاح والسلع وخروج اللاجئين وإخلاء المرضى والجرحى لتلقي العلاج خارج الأراضي السورية. لقد سمحت السيطرة على الحدود السورية الشمالية باستغلال الثروة النفطية والغازية وشحنها وبيعها عبر الحدود التركية. يضاف إلى ذلك أن السيطرة على هذه الحدود جعلت من الأراضي التركية عمقاً استراتيجياً لمعظم فصائل المعارضة.

في الاستنتاج العام تسببت الأزمة في سورية بتغييرات شبه دائمة في حدود سورية مع الدول المجاورة، وقد تركت هذه التغييرات آثارها السياسية والاقتصادية والأمنية بين النظام السوي وحكومات الدول المجاورة. نجحت قوى المعارضة أو القوى الإقليمية المتدخلة في الأزمة في التعامل بواقعية في ما بينها، إذ يجري تبادل الخدمات والمصالح عبر الحدود. لقد طورت فصائل المعارضة آليات للتعامل مع السلطات عبر الحدود من أجل تأمين العمق الاستراتيجي والتمويني التي هي بأمس الحاجة إليه، سواء لتأمين حركة النازحين أم استيراد الأسلحة والذخائر والأموال اللازمة لمواجهة النظام وحلفائه.

ولكن يبدو الآن أن قوى المعارضة فشلت في توحيد صفوفها حول مشروع وطني جامع، وباتت الآن مرهونة لخدمة مصالح القوى الإقليمية والدولية التي تتقاسم الأرض والنفوذ خدمة لمصالحها وعلى حساب وحدة سورية وعلى حساب مستقبل شعبها.