ثلاثي «آستانة» ينسق مواقفه من الحراك السياسي والتطورات على الأرض

الحياة تعود الى ملعب إدلب بعد 3 سنوات من الحرب (أ ف ب)
موسكو - سامر الياس |

مع تصاعد الدعوات الدولية لإطلاق عملية سياسية ذات صدقية في سورية في إطار مفاوضات جنيف، يجري وزراء خارجية الدول الثلاث الضامنة: روسيا وتركيا وإيران، محادثات في موسكو غداً (السبت)، من المنتظر أن تتطرق إلى تنسيق مواقف البلدان الثلاثة في ضوء التطورات على الأرض بعد سيطرة النظام والميليشيات المساندة له على الغوطة الشرقية والقلمون الشرقي، ومستقبل الحراك السياسي والعسكري على الأرض من دون حدوث شرخ كبير بين القوى الثلاث.


ووصفت الناطقة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا، في مؤتمر صحافي أمس، اللقاء بـ «الاستثنائي»، فيما أشار بيان للخارجية التركية أن الاجتماع «سيتناول جميع أبعاد التعاون الجاري في إطار آلية آستانة، كما أنه سيتناول الخطوات المحتمل اتخاذها في المستقبل».

أما مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى سورية ستيفان دي ميستورا، فاستبق الاجتماع بالتأكيد على أن «عملية آستانة استنفدت طاقاتها بالكامل نظراً للعدد المحدود من الأطراف المنخرطة فيها». وأوضح في لقاء مع هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، إن المفاوضات بهذا الشكل «كانت مبادرة جيدة».

وأضاف: «الحقيقة تكمن في أن المبادرة الروسية، بلغت حدودها، وكانت آستانة ولا تزال مبادرة جيدة للغاية، لكن دعونا ننظر إليها من منظور آخر. ثلاثة بلدان فقط منخرطة فيها وليس 15. لم تشارك جميع الأطراف في هذا المحفل... كان من المفترض، أن تؤدي العملية إلى وقف تصعيد النزاع ولكن التصعيد وقع».

وأشار إلى أن «سوتشي، كانت ستعتبر مبادرة ممتازة للحوار السوري، لو تم هناك تنظيم اللجنة الدستورية لكن ذلك لم يحدث حتى الآن».

ووفق مصادر مطلعة في موسكو، «تواجه البلدان الثلاث لحظة الحقيقة مع صعوبة الجمع بين الأهداف المتضاربة لها في المرحلة المقبلة». فالأحداث المتتالية بعد الهجوم على حلب نهاية 2016، كشفت عن صفقات روسية - تركية لتقاسم مناطق النفوذ فعملية «درع الفرات» كانت ثمناً واضحاً، وفق مصدر روسي، عن تراجع أنقرة عن «خط أردوغان الأحمر» في حلب.

وعملية «غصن الزيتون» في عفرين منحت خطاً أخضر للنظام والروس والإيرانيين للقضاء على آخر جيوب المعارضة قرب دمشق في الغوطة الشرقية، ولاحقاً القلمون الشرقي، وجنوب دمشق.

وبعد نحو عام على إنشاء مناطق خفض التوتر استطاع الثلاثي تقاسم مناطق النفوذ في محيط دمشق، وعفرين والباب، لكن الفترة المقبلة يمكن أن تشهد تضارباً كبيراً في أهداف كل طرف.

وأظهرت التصريحات والتحركات التي تلت إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب نيته الانسحاب من شرق الفرات رغبة الأطراف الثلاثة في ملء الفراغ الأميركي لزيادة مكتسباته على الأرض.

ومن جهة أخرى فإن إيران تتفهم رغبة تركيا في كبح قوة الأكراد في المناطق الحدودية لمنع التواصل الجغرافي للأقاليم الثلاثة في «كردستان غربي» لكن طهران لن تسمح بأن تبقى تركيا مهيمنة على إدلب، والريف الشمالي في حماة، وبقاء المقاتلين في ريف حمص الشمالي، فأرياف أدلب وحماة وحمص تهدد الخزان البشري للنظام في جبال العلويين، إضافة إلى قربها من القاعدة الروسية في حميميم. ووسط تحذيرات أممية من حلب ثانية في إدلب يسعى ضامنو آستانة إلى صوغ تفاهمات في ظل خريطة معقدة للمصالح.

وعلى رغم العلاقات الاستراتيجية بين موسكو وطهران فإن التنسيق في سورية أمام تحديين كبيرين: الأول يتمثل في صعوبة محافظة موسكو على علاقات جيدة مع إسرائيل وإيران في الوقت ذاته، مع تصاعد التهديدات بين الطرفين، وتحول سورية إلى ساحة صراع بالوكالة بينهما.

وفي النقطة الثانية ترفض إيران التخلي عن نظام الرئيس بشار الأسد وترفض تقديم أي تنازلات سياسية في ما يخص القضايا السياسية وتصر على ضرورة الحسم العسكري للسيطرة على كل الأراضي السورية وإعادتها إلى سيطرة النظام. كما يخوض الطرفان تنافساً حول اقتسام الفوائد الاقتصادية والسياسية لدعم الأسد.

وتزداد صعوبة الموقف الروسي في المحافظة على علاقات قوية مع إيران في الموضوع السوري مع موقف بلدان الخليج الرافض للأسد والمنطلق من أن انهيار إيران في سورية يفتح على إنهاء تدخلاتها في المنطقة عبر كسر «ضلع» سورية من محور طهران بغداد دمشق بيروت.

وبعيداً من نقاط الخلافات بين «ثلاثي آستانة»، يزداد زخم المطالبات الدولية بإنهاء هيمنة هذه البلدان على مفاتيح الحل في سورية، وإطلاق عملية سياسية تفضي إلى حل سياسي يضمن وحدة الأراضي، وضمان الاستقرار في سورية. وفي مواجهة الرغبة الدولية استغلت موسكو الضربة الثلاثية للتشدد أكثر عبر تصريحات وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف التي قال فيها إن البلدان الغربية «لم تقصف المواقع الكيماوية المفترضة بل قصفت المفاوضات في جنيف».

وعلى رغم القناعة بأن تقسيم سورية بات من الماضي عاودت روسيا التحذير من أخطار ذلك في رسالة إلى أن محاولة إزاحتها عن دور اللاعب الأول في سورية يمكن أن يفتح نحو سيناريوات تقسيم لا يحبذها حلفاء روسيا قبل أعدائها، وذكرت الاتحاد الأوروبي بأن أي تدخل عسكري يمكن أن يتسبب في موجة لجوء أخرى على غرار ما حدث في 2015، واستطاع «ثلاثي آستانة» منعها منذ أحداث حلب على رغم المعارك التي تشهدها أكثر من منطقة في سورية.

ويشكل الاجتماع مناسبة من أجل بحث مستقبل العملية السياسية مع قناعة بأن جولات آستانة وصلت إلى نهاياتها، وضرورة تفعيل حل سياسي مبني على أساس قرارات مؤتمر سوتشي نهاية كانون الثاني ( يناير) من العام الحالي. وعلى هذه البلدان التوصل إلى مقاربات صعبة تجمع بين طموحاتها المتضاربة في سورية، ورغبة المجتمع الدولي في ممارسة دور أكبر في حل الأزمة، ورهن أي مشاركة في إعادة الإعمار بتغيير سياسي حقيقي في سورية.