الصاوي: «صوت الأزهر» جسر للحوار مع المجتمع وهدفنا محاربة الإرهاب والتطرف

042819b.jpg
القاهرة – هبة ياسين |

بينما أضحى العالم قرية صغيرة، بفعل وسائل الإعلام والفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي، ومع انتشار التطرف والإرهاب وكونه صار لصيقاً بالإسلام، بفعل الفهم الخاطئ لمفاهيمه، حاولت مؤسسة الأزهر مواكبة تطورات العصر عبر إطلاق وتطوير عدد من المنابر والمنصات. فيما أطلق شيخ الأزهر الإمام أحمد الطيب استراتيجية جديدة لتطوير الخطاب الديني، ونشر التعاليم السمحة للإسلام والاعتماد على الخطاب المباشر للجمهور عبر وسائل الإعلام المختلفة ومواقع التواصل الاجتماعي والصحف الورقية، ومن بينها جريدة «صوت الأزهر» وهي إصدار مطبوع يعد ناطقا باسم المشيخة، أسست منذ نحو 20 عاماً.


وشهدت «صوت الأزهر» انطلاقة متطورة عبر سياسة تحريرية جديدة وكان اللافت والمفاجئ هو اختيار رئيس جديد لتحريرها في نهاية آذار (مارس) 2017، وهو الصحافي المصري أحمد الصاوي وهو من خارج مؤسسة الأزهر، وقادم من التيار المدني، إذ عمل مدير تحرير للشروق والمصري اليوم. هو صحافي وكاتب عمود يومي في المصري اليوم والشروق والتحرير، ولم يدرس في الأزهر كما لم يسبق له أن تعامل مع الأزهر ومؤسساته إلا خلال فترة ترشحه لرئاسة تحريرها.

عام مضى منذ تولي الصاوي الصحيفة، الذي ترك بصماته عليها، وشهد عهده تغييرا واضحاً من حيث الشكل والمضمون، فبعدما كانت تستهدف الأزهريين خصوصاً، صارت لكل المصريين تهتمُّ بقضايا اجتماعية شائكة وتُواجه الفكر المتطرِّف، وتهتم في الشأن الإسلامي المحلي والعالمي ولكن بروح عصرية.

واستقطبت الجريدة كثيراً من المثقفين والكتاب غير المحسوبين على الأزهر وبينهم باحثون أقباط وفي المجتمع المدني، وآخرون معروف أنهم معارضون للتيار الإسلامي ومنهم الخبير السياسي عمرو الشوبكي وأستاذ الاجتماع السياسي عمار علي حسن، كما ضمت أيضاً أصواتاً قبطية وبينهم الدكتور سمير مرقص وسامح فوزي والأنبا أرميا. كما فتح الصاوي الباب أمام المثقفين لإجراء وإدارة الحوار بينهم وبين المؤسسة الدينية، وأدخل أصواتاً وأقلاماً غير أزهرية للتحدث عبر صحيفة «صوت الأزهر»، وبينها حوارات مع فنانين ومنهم المخرج مجدي أحمد علي والناقد طارق الشناوي، والكاتبة فريدة الشوباشي.

كما طرح الإصدار المطبوع قضايا شائكة، ولأن ثمة ترويجاً لأفكار متطرفة في المجتمع وبينها أن قتل القبطي ليس به قصاص، مثلما حدث مع حادث قتل القس سمعان الذي استهدفه أحد المتطرفين، فخرج غلاف «صوت الأزهر» ليفرد صفحات لقصته، بينما جاءت صورة كبيرة لـ «القس الشهيد» على غلاف المجلة بعنوان «دم القبطي مش رخيص»، فهناك فتوى أزهرية رسمية أن لا بد من القصاص من أي قاتل مهما كان ديانة القتيل.

وشهدت الجريدة انفتاحاً على الأقباط والأديان الأخرى ومحاولة أن تضم أصواتاً مختلفة ومتنوعة، وأصدر الصاوي في كانون الثاني (يناير) الماضي عددا تذكارياً خاصاً بالاحتفال بأعياد الميلاد المجيد.

هذا الانفتاح جلب على الصاوي التهديدات من قبل متطرفين مجهولين، وذلك اعتراضاً على منهج الجريدة وسياستها التحريرية، ووصفت تلك التهديدات أحمد الصاوي بأنه أحد الصحافيين العلمانيين، وأنه يتقول على دين الله وأحكامه ودعوته لنصرة النصارى وإبعاد الشريعة عن الحياة ليقوم بفتحها أمام أمثاله من العلمانيين المعادين لدين الله والطاعنين فيه».

لكن الصاوي اعتبر التهديد مسألة عابرة ولم يتوقف عندها واستمر في سعيه وفي خطط تطوير الإصدار الأسبوعي، وأتم عاماً كاملاً في مهمته، وعلى مدار أكثر من 48 عدداً حاول بث رسالة واضحة قوامها فكرة الحوار والتعايش والانفتاح والتي يعتبرها منهج الإمام الأكبر أيضاً.

استراتيجية إعلامية جديدة في الأزهر

«الحياة «التقت رئيس تحرير «صوت الأزهر» الذي تحدث عن تلك التجربة قائلاً «قبل أن أتقلد رئاسة تحرير الجريدة، كان الإمام الأكبر الشيخ أحمد الطيب، قد أطلق استراتيجية لتطوير المنظومة الإعلامية للأزهر وكان الجريدة جزءاً منها، ووجدت تشابها في الرؤى المشتركة، وكان الانطباع الأول أن مؤسسة الأزهر ترغب في عمل شيء جديد، لا سيما أنهم يشعرون بأن ثمة استهدافاً طوال الوقت، وإنجازات جيدة لكن لا يتم إلقاء الضوء عليها أو قد لا تعرض في شكل ملائم.

وأضاف «ثمة مجموعة من المشتركات في القضايا الأساسية بالنسبة إلى شخص قادم من «التيار المدني»، ولا ينتمي إلى مؤسسة الأزهر الشريف، مشتركات وجدتها مطمئنة، إذ تطابقت مواقفي مع المؤسسة في قضايا عدة ومنها «المواطنة» و «مكافحة التطرف والإرهاب» وحتى القضايا الاجتماعية والمتعلقة بالعادات والتقاليد». منوها بـ «هناك تحديث في الأزهر، و «الصحيفة» هي أحد تجليات التعبير عن التغيير وتحديث الخطاب والتغيير وتكمن الأهمية في كونها تُقرأ داخل الأزهر، وغالبية توزيعها داخل قطاعات لها علاقة بالمؤسسة الدينية ومن ثم فكل كلمة تكتب فيها تثير نقاشاً وجدلاً وهذا هو «حوار الأفكار».

عندما بدأ الصاوي العمل اتخذ صيغة للصحيفة تجعلها جسراً للحوار بين الأزهر والمجتمع وهو ما يوضحه بقوله «فتحنا المجال لكثير من المثقفين والكتاب غير المحسوبين على الأزهر وبينهم باحثون أقباط وفي المجتمع المدني، وآخرون معروف أنهم ضد الدولة الدينية، وهو ما يتوافق مع سياسية الأزهر في كونه أيضاً ضد الدولة الدينية، فالأزهر هو الذي أطلق وثيقة الحريات في العام 2011، التي تؤكد مدنية الدولة ولو كان يرغب في الدولة الدينية لتحالف مع الإخوان وأصبح إقامة الدولة الدينية أمراً سهلاً حينها.

وأشار الصاوي إلى أن الانفتاح على التيارات المدنية عبر الجريدة ليس غريباً، فالأزهر مفهومه عن الدولة مقارب جداً من مفهوم التيار الرئيس في المجتمع المصري وكونها دولة مدنية لا يحكمها الدين ولا رجاله وأن كانت تحترمه، لافتاً أنه لا يوجد ما يمكن أن يقال عنه «نموذج إسلامي» للحكم، لكن أينما وجدت المصلحة فثم شرع الله.

وأكد أن الأزهر أطلق وثيقة «المواطنة والعيش المشترك» والتي تتطابق كل بنودها البنود الأساسية مع الدساتير الحديثة، من حيث تعريف الدولة والمواطن بكونه هو كل من يعيش على أرض الوطن مع التساوي في كل الحقوق والواجبات ولا تمييز في الدين أو العرق أو اللون أو الجنس، وأن المواطنة هي ممارسة أصيلة في الإسلام وليس مصطلح دخيل». وحول كون الأمر ينحصر في مؤتمرات ووثائق مكتوبة لا يتم تطبيقها على أرض الواقع أوضح «الموضوع ليس فقط وثيقة ومؤتمرات لكن المواطنة في مناهج الأزهر الحديثة، ما شكل عاملاً مشجعاً على وجودي في الأزهر، إذ وجدت أنه لا يتعارض مع أفكاري التي أتبناها وأكتب عنها سواء في قضايا «المواطنة» أو «مكافحة التطرف والإرهاب»، وهو ما تجلي عبر عملنا، إذ قمنا بتفكيك وبحث كل القضايا وأحاديث المتطرفين الذين يرددون مفاهيم دينية خاطئة عن غير المسلمين، حتى أننا في كانون الثاني (يناير) الماضي أصدرنا عدداً تذكارياً خاصاً بالاحتفال بأعياد الميلاد المجيد.

التنوع

ونوه «شاغلي الرئيس والدائم هو فكرة مكافحة التطرف وهو هدف في حد ذاته يمكن أن نتلاقى حوله، كل القيم التي نحاول غرسها لمكافحة هذا التطرف سواء لها علاقة بالمواطنة أو قبول الآخر أو تحديث الفهم حول فقه غير المسلمين، وكتب عنها الإمام الأكبر في الجريدة، إذ تحدث على فكرة أن التنوع «مشيئة إلهية» وأننا لا ينبغي أن نقاوم هذا التنوع بأي شكل من الأشكال، وينبغي التعايش، وهو ما انعكس على كثير من الأحداث والفعاليات التي أقامها الأزهر بينها «مؤتمر السلام» الذي انعقد في القاهرة وحضره بابا الفاتيكان، وكذلك قيادات غالبية أديان الأرض ومنها كل الطوائف المسيحية وحاخامات يهود غير إسرائيليين وزرداشت وصابئة وكل الأديان قاطبة، ومن ثم فالأزهر خصوصاً في سنوات الأمام أحمد الطيب هو أزهر منفتح ويهتم بفكرة الحوار مع الآخر ومع العالم.

الأزهر والمجتمع

وحول اعتبار الصحيفة جسرا بين الأزهر والمجتمع وإلى أي مدى نجحت في ذلك نوه الصاوي وأن صوت الأزهر لا تستهدف الأزهريون فحسب، بل حاولت التوجه إلى مخاطبة المجتمع، عبر معالجة قضايا اجتماعية عدة ومنها زواج القاصرات، إذ يقول «طرحت عبر الصحيفة عدد من القضايا المجتمعية الشائكة ومنها زواج القاصرات ويأتي هذا انطلاقاً من المنهج الذي يكرسه الإمام الأكبر، إذ تتوافق وتتطابق وجهات نظره في هذا الصدد مع المجتمع والتي مفادها أن زواج القاصرات به ضرر فينبغي أن يتوقف، وينبغي إلا نتعامل مع تلك الظاهرة وكأنها من «الدين» بفعل ممارسات سابقة تاريخية». لافتاً «خلال معالجة الجريدة لهذه القضية، كشفنا أن هناك معاهد أزهرية انتشر فيها زواج القاصرات وقمنا بنشرها على صفحات «صوت الأزهر»، إذ أن هناك معاهد أزهرية في محافظات بعينها ينتشر بها ظاهرة زواج القاصرات، واكتشفنا أنها ليست قضية معاهد أزهرية لكنها قضية المجتمع في هذه المنطقة سواء كانوا في تعليم أزهري أم عام أو فني، بسبب عادات وتقاليد وظروف اجتماعية واقتصادية وليس بسبب منطق ديني.

وتابع رئيس تحرير «صوت الأزهر» :»كما نستهدف عبر صفحات الجريدة محاربة الإرهاب والتطرف و «الإسلاموفوبيا» وأيضاً تشجيع المسلمين في البلاد غير الإسلامية على الاندماج في مجتمعاتهم والتعامل مع تلك البلدان باعتبارها أوطانهم، وأن يكون الولاء الخالص لوطنهم، فالدعوة مزدوجة وهي فكرة تشجيع المواطنة، وعدم الانعزال عن مجتمعاتهم الجديدة أو التي يعيشون فيها تحت وهم أنهم أقلية، في محاولة لتربية إنسان مسلم عصري منفتح ومندمج مع العالم».

صوت الأزهر: ناطقة بلسان المشيخة

وسئل: هل يعتبر هذا التطوير شكلياً أو دعاية للأزهر فنفى بقوله: «إن التطوير معبر عن أفكار الأزهر ورسالته ومنهج إمامه والرسالة التي يسعى إلى توصيلها ونشرها فالجريدة رسمية وناطقة بلسان المشيخة، ولا يمكن أن تخرج تروج أفكاراً وحديثاً ليس أصيلاً في منهج الأزهر. إذ لا يمكن إصدار عدد خاص احتفالي بأعياد الميلاد والإمام الأكبر غير راض عنه، بل هو مقتنع تماماً بذلك، وهذا هو منهجه، إذ يحرص طوال الوقت على معالجة قضايا التطرف، وقضايا اجتماعية عامة». لافتاً ثمة دعم كبير من الإمام الأكبر شخصياً للجريدة ورسالتها، وهو مهتم بتطويرها».

وأشار إلى أن مؤسسة الأزهر يوجد بها مرصد لمكافحة التطرف، يتعاون مع كل المؤسسات، في إطار هدف واحد هو «رسالة أزهرية «حديثة تستطيع أن تنقل المجتمع والمؤمنين بتلك الرسالة إلى فكرة تحديث الفهم وعلى الأقل تحصين العقول من محاولة الاستقطاب إلى دائرة العنف والتطرف والتشدد».

وحول إصدار المجلة بالعربية فقط أم أن هناك الإصدار بلغات أخرى أوضح «الأزهر لديه إصدارات كثيرة بلغات أخرى تتوافر على «بوابة الأزهر»، حيث تنشر الصحيفة ومحتوياتها بلغات عدة «وبينها العربية أو الإنكليزية أو الفرنسية أو الأوردية أو اللغات الفارسية والأسيوية».

وبينما صار ينظر إلى المجلة خلال العام الأخير على كونها منبراً يساهم في محاربة التطرف أو إحدى القوى الناعمة للأزهر، وهو ما يؤكده الصاوي بقوله «تستهدف «صوت الأزهر» مكافحة التطرف ومواجهة التطرف والإرهاب هي القصية الأساسية التي تشغلنا ونعمل عليها عبر صفحات الجريدة، كما كرس لها الأزهر جهود كبيرة سواء من الإمام شخصياً».

ولفت «الصحيفة ليست قوة ناعمة للأزهر فقط لكنها أيضا تضع أمام الباحثين والعاملين على القضايا ذات الطابع الديني وثائق من أنشطة الإمام وكلماته وأفكار ومنهج وفتاوى الأزهر، وكلها تصب في صالح مكافحة التطرف والتشدد، ومن ثم تساند الصحيفة أي شخص يتصدى للتشدد والمتشددين، إذ تحتوي رداً على مزاعم المتطرفين وفي قضايا عدة، وتعتبر الصحيفة مرجعية وسنداً في مواجهة ومناظرتهم، وتدعم فكرة مواكبة هذا التطرف والتشدد ومواجهته».

الاستخدام السياسي للخطاب الديني المتطرف

وأضاف «اهتمت الجريدة أيضاً بإثارة قضية المناهج الدراسية الأزهرية، وما بها من تحديث لافت لكونها تعالج تعالج كل المشاكل الاجتماعية والتطرف والمواطنة، وما نسبة خريجي الأزهر من قادة التطرف إلى نسبة خريجي الجامعات الأخرى، لا سيما أن الدراسة الأزهرية منتظمة منذ ألف عام».

واختتم أحمد الصاوي بقوله «محتوى الجريدة يصب في إطار هدف الأزهر والدولة بل والمنطقة كلها، وهو مكافحة التطرف والإرهاب الذي أصبح تحدي العالم كله، فالتطرف له أبعاد سياسية واجتماعية ومن الخطأ اختزاله فقط في الجانب التعليمي، ولكن هناك ثقافة جديدة انتشرت في المجتمع ودعمتها في بعض الأوقات صراعات سياسية وأثرت على انتشارها ودعمها، إذ جاءت هذه الموجات من التطرف التي لا تتوقف كأحد تجليات الحرب الباردة وحرب أفغانستان فثمة محاولة استخدام سياسي لخطاب ديني متطرف لتحقيق مصالح سياسية».