«سيبويه» اللبناني وقانونه الانتخابي «المقطّع - الموصّل»!

عزت صافي |

من اليوم حتى السابع من شهر أيار (مايو) المقبل سبعة أيام من الانتظار لمعرفة من هم النواب المنتظر انتخابهم لتجديد مؤسسة «الديموقراطية» اللبنانية التي توصف بأنها «مميزة» بين البرلمانات العربية، وهي في الواقع ليست أكثر من عملية روتينية يُعاد تشكيلها كل أربع سنوات، في حال سمحت الظروف الأمنية– السياسية بتبديل بعض الأسماء والوجوه والألقاب.


ولقد حكمت تلك الظروف بغياب «الديموقراطية» اللبنانية بين دورة وأخرى، منذ العام 1975 من القرن الماضي، أي منذ نحو نصف قرن، ولأسباب محلية، أو إقليمية، منها مواجهة اعتداءات العدو الإسرائيلي، أو «حروب أهلية» بين الإخوة من الشعب الواحد والوطن الواحد.

لكن الكيان اللبناني يبقى صامداً بفضل أحد سببين: إما أنه محصّن بحماية، أو بقوة عجائبية، أو أن بقاءه ضرورة إقليمية، أو دولية، وفي الحالين لا يفقد ميزاته، وهي: وحدة وطنية - حرية - فوضى - ديموقراطية - عشائرية - طائفية - مذهبية - دستور وقوانين - قوى أمر واقع - تسلّط - احتكار - مدنية - رخاء - فقر مدقع - علم - شهادات عليا - هجرة - ثراء فاحش - تزوير - إنفاق يفوق الحدود ولا أصول - عجز - ديون تتخطى مئة مليار دولار والبازار مفتوح... والمجتمع الدولي يتجاوب. إنه لبنان المعجزة، وطن يعيش وهو يتنفس الهواء الملوّث بالنفايات، ويشرب المياه المعقّمة، ويسهر على ضوء القنديل.

رئيس الحكومة سعد الحريري يعلن أمام الملأ»: «المعركة باتت واضحة بين خطين ومسارين: مسار دولة القانون والمؤسسات، ومسار الهيمنة على قرار الدولة والمؤسسات. مسار حماية البلد من حروب المنطقة، ومسار توريط البلد في حروب المنطقة». رئيس الحكومة يشهر كلاماً بهذه الخطورة وهو في الطريق إلى بروكسل للمشاركة في مؤتمر الدعم الدولي للدول المضيفة النازحين السوريين، ولبنان صاحب حصة كبيرة من العبء الضخم بسبب العدد الضخم من النازحين السوريين المقيمين على أرضه، فيما الحكومة التي تضم جميع المكونات السياسية اللبنانية المتناقضة تعمل بانسجام.

ولقد جاءت هذه الحكومة بقاض كبير مشهود له بالعلم والقانون والنزاهة (نديم عبدالملك) لرئاسة هيئة الإشراف على الانتخابات، وقبل أن تجرى الانتخابات نبّه القاضي من يعنيهم الأمر، وخصوصاً الذين يتوقعون أن تفعل الهيئة المعينة المعجزات، إلى أن الهيئة لا تمتلك صلاحيات للتحقيق مع أي مرشح مخالف للقانون، لذلك «لا تحمّلونا أكثر من طاقتنا».

وكانت الحكومة اللبنانية أقدمت على خطوة ذات دلالات على نيتها إجراء انتخابات «نزيهة وشفافة»، إذ هي أفسحت في المجال أمام رئيسة اتحاد المقعدين اللبنانيين سيلفانا اللقيس لتكون الممثلة الوحيدة للمجتمع اللبناني المدني في هيئة الإشراف على الانتخابات، وسيلفانا ناشطة اجتماعية مشهود لها بالشجاعة المعنوية في حركة المجتمع المدني. وقد أقبلت على المهمة والمسؤولية بتوظيف معظم وقتها في الدور الذي تطوعت له، لكنها اكتشفت بعد فترة قصيرة أنها في وادٍ والجهات الرسمية في واد آخر، فأعلنت رفضها المطلق لأن تكون «شاهدة زور» على عجز الهيئة عن الدور الوطني المطلوب منها، ذلك أنها كانت مدعوّة إلى التنسيق مع وزارة الداخلية بدل أن تكون في موقع المراقبة والمحاسبة على تقصير هذه الوزارة أو أخطائها، وقد وصفت ما اطلعت عليه من تجاوزات وارتكابات في الإنفاق الانتخابي بأنها «مجازر»، ثم استقالت.

ولقد فتحت استقالة ممثلة الرأي العام في هيئة الإشراف على الانتخابات اللبنانية الباب واسعاً أمام التساؤلات عن المواكب الرسمية التي تستدعي وقف السير في الكثير من الشوارع والجادات العامة في العاصمة والمناطق لتأمين مرور المسؤولين الرسميين المرشحين للانتخابات إلى أماكن المهرجانات التي تقام لحسابهم وسط مواكبة وإجراءات أمنية لا تتوافر لسواهم من سائر المرشحين.

ما سبق مجرّد ملاحظات عاجلة على أنشطة عابرة تقع على خط استغلال السلطة والنفوذ والمؤسسات العامة، والمال العام، لحساب مراجع رسمية يحق لها ما لا يحق لسواها من خدمات وتسهيلات تؤمنها أجهزة الدولة بإمكاناتها وكادراتها في الوظيفة العامة.

من هذا الباب في الداخل اللبناني يمكن العبور بالوظيفة الرسمية إلى الخارج، إلى أقاصي الأرض، من مشارقها إلى مغاربها، أي إلى حيث ذهب وزير خارجية لبنان جبران باسيل وزيراً للخارجية والمغتربين، رافعاً علم لبنان، حاملاً باسم اللبنانيين المقيمين إلى المغتربين أمنيات أهلهم في الوطن الأم، أي وطن أجدادهم الأوائل الذين كانوا أفراداً طموحين لا يملكون سوى العزيمة والرجاء، فصاروا في الغربة، عبر حقبات الزمن المتراكمة، أجيالاً متعددة العقيدة، متوحدة بالإيمان، والرجاء، والطموح إلى كل ما يليق بأن يكون سر نجاح وشهرة وتقدم، من أفضل إلى أفضل، ومن أعلى إلى أعلى كما الأرز، الذي يعلو ولا يشيخ، بل يمضي إلى فوق.

باسم لبنان، باسم جميع اللبنانيين، تكلم الوزير باسيل في أميركا اللاتينية، كما في أوروبا، وصولاً إلى أستراليا، ولا بدّ أنه ترك في كل مدينة زارها، وعند كل جالية لبنانية، علم لبنان، وعلم «التيار الوطني الحر»، ورسالة محبة وتقدير من رئيس الجمهورية الجنرال ميشال عون، مع رزمة منشورات باللغات الحية تتضمن أطيب التمنيات، وأبرز عناوين مبادئ «التيار» لكي تكون دليلاً وقاعدة لتأسيس فروع تتألف وتنتشر في عالم الاغتراب.

لم يستطع الوزير جبران باسيل أن يفصل بينه وبين الوزارة، ولا بين الوزارة و «التيار». وخلال هذا الأسبوع لا بد أن يبدأ بتلقي نتائج اقتراع المغتربين في الأميركتين، كما في أوروبا، وأستراليا، وأفريقيا، والعواصم العربية. أي أنه سيبدأ جني الموسم الأول من زرعه في أقطار الانتشار اللبناني، شرقاً، وغرباً.

وفي سياق الموضوع تتوارد إلى أذهان اللبنانيين المقيمين تساؤلات صعبة عليهم، فكيف على أهلهم المغتربين، ومن تلك التساؤلات:

- هل قام الوزير جبران باسيل بزياراته لدول المغتربين في الأميركتين، وأستراليا، وأفريقيا، وأوروبا، والعواصم الخليجية بتكليف من الحكومة، أم بمبادرة منه؟

- وهل ترك حيث جال، وزار، منشورات للمغتربين باللغات التي يتكلمونها، وتتضمن معلومات عن لبنان الوطن الأم، وتاريخه، وحاضره، وعن نظامه السياسي، ونوعية ديموقراطيته، وتركيبته الوطنية، ومستواه الثقافي والعلمي، والمدني، والاجتماعي، وعن طموحاته للمستقبل القريب والبعيد؟

- وهل ترك للمغتربين لوائح المرشحين للانتخابات النيابية، ومعها بعض المعلومات عن «بعض» المرشحين الآخرين لكي يعرفوا من سيختارون لتمثيلهم في الوطن الأم؟

- وهل ترك للمغتربين خلاصات محايدة عن المرشحين من كل طائفة، ومذهب، ومدينة، أو منطقة؟

صعبة جداً المهمة التي تطوع لها الوزير جبران باسيل نيابة عن الشعب والدولة والوطن.

أما السؤال الصعب فهو: هل شرح الوزير للمغتربين قانون الانتخاب النسبي و «الصوت التفضيلي»؟... وهل فهموا شرحه؟... بل هل استطاع أن يفهمهم كما يفهم هو، كوزير، وكناخب، وكنائب، وكمرشح للنيابة، فحوى هذا القانون؟ وهل فهموا «الصوت التفضيلي» للمرشح المفضل، وما هي مواصفات «المرشح المفضل»، هذا إذا كانوا قد استوعبوا الشرح وحفظوه، خصوصاً أنهم، في بلدان «أوطانهم» وأنظمتهم، وقوانينهم الانتخابية، يقترعون لمرشح واحد، ولديهم الأسباب والشرح الوافي للجواب عن سؤال من نوع: لماذا، وعلى أي أساس، كان اختيارهم؟! ثم من أين للوزير باسيل، وللبنانيين، بفيلسوف من مستوى «سيبويه» ليشرح لهم أولاً ما هو هذا القانون، «المقطّع- الموصّل» الذي انتهى إليه مجلس النواب بعد صبر طويل، وحلم بدأ مع الاستقلال قبل خمس وسبعين سنة من عمر هذا الوطن، وعمر هذا الجيل، الذي يقرأ ويسمع ويعلم أن العالم سبقه، وهو لا يزال متسربلاً بلوائح تحاكي أجيالاً من الماضي.

لقد عاش الفيلسوف «سيبويه» ومات، وفي قلبه حسرة من «حتى» التي وردت في جملة تقول «أُكلتُ السمكة حتى رأسها»... فهل أكل السمكة كلها، أم حتى رأسها؟! من يعرف الجواب؟

اللبنانيون ينتظرون انتخابات يوم الأحد المقبل (6 أيار/ مايو) 2018 ليعرفوا النتائج، وليحكموا على «سيبويه» اللبناني الذي ابتدع هذا القانون!

ويبقى رأي - اقتراح لعل وزارة الداخلية تأخذ به، وهو أن تجري عملية اقتراع في مركز انتخابي، ويجري نقلها مباشرة على شاشة التلفزيون، فتعمم على جميع اللبنانيين المقيمين والمغتربين في أنحاء العالم. ولتكن عملية جدية بحضور رئيس القلم، وكادر الموظفين، والمراقبين، ووكلاء المرشحين، والمندوبين، ورجال الأمن، فيتعلم الناخبون أصول المثول في غرفة الاقتراع، كما لو أنهم قاعة محكمة، مزوّدين بتذكرة الهوية، أو جواز السفر، ويتسلمون أوراق الاقتراع، ولوائح المرشحين، ثم يتوارون خلف الستار في غرفة الأسرار، ويخرجون بورقة الاختيار، حتى إنزالها في صندوق الاقتراع. هي عملية ضرورية يجب أن يتعلّمها الناخبون قبل الذهاب لتطبيقها، وخصوصاً جيل الشباب الذي سينتخب للمرة الأولى، ولعله يشكّل قوة تغيير باتجاه طموحات عصره.

وحين ظهر رئيس الجمهورية الجنرال ميشال عون على شاشة التلفزيون ليلة 25- 26 نيسان الجاري وقال كلمته التوجيهية في عملية الانتخاب شعر اللبنانيون بأن الرئيس عون منفصل تماماً عن الإدارة الحكومية، وما كان لهم إلا أن يأملوا خيراً.

* كاتب وصحافي لبناني