هل يتقاعد المذيع؟

عقل العقل |

قبل أسابيع ماضية، وأنا متجه إلى العمل بسيارتي، كنت أستمع إلى إذاعة الرياض في نشرتها السياسية، في ظهيرة ذلك اليوم، وفي نهاية الحلقة ودّع المذيع المتألق أحمد العلكمي زميله في تقديم تلك النشرة المذيع ذا الصوت الجهوري والمميز محمد القحطاني، وأن تلك الفقرة هي آخر نشرة يشارك فيها، بعد إحالته إلى التقاعد.


ذاك الوداع من المذيع الشاب لزميله المحال إلى التقاعد أثار لدي تساؤلات عدة، منها: هل وصول المذيع إلى سن التقاعد يعني شيخوخة أصابت صوته ولم يعد مقبولا لدى المستمعين والمشاهدين؟

برأيي فإن العكس ما يحدث، فمع الخبرة المتراكمة في التقديم وإدارة الحوارات تكون هناك دائما حاجة ملحة إلى مثل هذه «القامات» الإعلامية، سواء في الإذاعة أم التلفزيون أم في وسائل الإعلام الأخرى، فهذه مهنة فيها شغف وعشق مع «المايكرفون» لا تنتهي في سن معينة، ما دام الإعلامي قادرا على العطاء، وأنا لست ضد التجديد والاستعانة بالمذيعين الشباب، ولكن المحافظة على هذه الخبرات مهمة جدا، إذ إن هناك علاقة طويلة بناها المذيع مع جمهوره، ومن يعمل أو له تماس في هذا المجال يعرف أن إيجاد وخلق مذيع مميز عملية ليست بالسهلة، وتحتاج إلى سنوات طويلة من العمل الشاق، تتخللها بعض النجاحات والإخفاقات.

لذا، فإن صناعة المذيع عملية طويلة ومعقدة، وفي حال تحققها تجب المحافظة عليها ما دام ذلك الإعلامي على استعداد للعطاء وإن لم يكن بالزخم السابق نفسه، فأتمنى من القائمين على أجهزتنا الإعلامية عدم إنهاء هذه العلاقة لهؤلاء المذيعين بسبب أنظمة تقليدية قد تكون فاعلة في بعض المهن الأخرى ولا تنطبق على بعض الوظائف الإبداعية، فلم نسمع يوما أن كاتبا أو روائيا أو قاصا، مثلا، أحال نفسه إلى التقاعد، بل إن بعض إنتاجهم الأدبي تميّز في آخر أعمارهم، فعلى المستوى المحلي كلنا نذكر المذيع سليمان العيسي، الذي كان يطل علينا من الشاشة حتى آخر أيام حياته، وكذلك المذيع بدر كريم، الذي استمر في العطاء الإعلامي الأكاديمي، وأكمل دراسة الدكتوراه في الإعلام بعد تقاعده، وكتب بعض تجاربه وذكرياته في مسيرته الإعلامية.

في الإعلام الغربي، نجد المذيع أو المذيعة كلما كبر زاد تأثيره من خلال برامجه والمواضيع التي يقدمها، لأنها تتكئ على خبرة تراكمية طويلة، فقط في وسائل الإعلام العربية وفي الفترة القريبة نجد أن هناك موضة سريعة في تغير المذيعين والمذيعات، وليتها قائمة على أسس مهنية وقدرات تتطلبها وظيفة المذيع؛ كالتمكن في اللغة والثقافة الواسعة والحضور أمام المايكرفون أو الشاشة، ولكنها للأسف منصبة بشكل أساس على الشكل والجمال الظاهري، وهذه قد لا تكون متطلبات أساسية في نجاح المذيع واستمراره وتألقه.

أتمنى ألا نرى الانكسار والاستجداء من بعض الزملاء المذيعين المحالين إلى التقاعد، إذ قدموا أدوارا للدولة والمجتمع يشكرون عليها، وللزميل محمد بن نهار كل التوفيق في مسيرته المقبلة.

akalalakal@