قصة الثلاثة الذين غابوا عن السعودية وعادوا إليها

نايف معلا |

يحكى أن ثلاثة أصحاب اضطرتهم تكاليف الحياة إلى السفر خارج البلاد مدة ليست بالطويلة، ثم شاء الله أن يعودوا إليها، فرأوا ما لم يروه من قبل، وظلَّوا أسارى لدهشتهم، حتى خلص كل منهم إلى حكمٍ بناه وفق تصوره لما رأى.


ما الذي رآه الثلاثة؟ رأوا النساء يعملن في وظائف كانت محتكرة من الرجال، ويقدن السيارات، ويحضرن المباريات الرياضية، ورأوا دور السينما، والأوبرا، وحلبة للمصارعة الحرة، ومظاهر لم يشهدها المجتمع السعودي من قبل.

الأول، الذي كان يقف أقصى اليمين، ساءه ما رأى، واعتبر ما يحدث انسلاخاً من الشريعة الإسلامية وتنازلاً عن القيم التي يعتنقها المجتمع وعلمنة وتغريباً له، وغيرها من النعوت التي تجتمع كلها في عنوان «المؤامرة»، وطفق ينهى عن كل ذلك تلميحاً وتصريحاً، باعتباره مُنكراً!

الثاني الذي كان في أقصى اليسار سرَّه ما رأى ورفع إصبعي النصر، معتبراً ما حدث انتصارا للفكر الذي لا يحمل منه إلا قشوره، وأخذ يعرَّض بمن يسميهم «الظلاميين»، الذين ينتمي إليهم صاحبنا الأول، ويحرّض عليهم.

أما الثالث الذي كان يتوسط الاثنين فلم يقف كثيراً عند تلك المظاهر، ليس لأنه يراها أمرا لا يتعارض مع الدين، أو لأنه أمر طبيعي، بل لأنه هو مسلم طبيعي! تنفس الصعداء، وقال هذه هي السعودية التي نُريد، السعودية التي تساير عجلة الحياة متمسكةً بقيمها ومبادئها الراسخة، السعودية التي تطبق فقه «تديّن الدولة» وليس فقه «تديَّن الفرد»! تمتم بهذه الكلمات ومضى، تاركاً وراءه صاحبيه يختصمان.

هذه هي القصة، ابتدأت من حيث انتهت، فعلى رغم أن أشخاصها وأحداثها منسوجة من الخيال، فإنها واقعية بما تحمله من مضامين، وربما اسْتطَاع القارئ الكريم إنزالها على أشخاص يعرفهم حدث لهم ذلك بالفعل.

ما حدث ويحدث، ليس تنكراً للقيم التي ما فتئت تفتخر السعودية بها، وتستمد أنظمتها وإجراءاتها منها، وعلى رأسها الشريعة الإسلامية، النموذج في السماحة، وليس انتصاراً لفكر على آخر أو تيار على تيار، بل هو مجرد استعادة لنمط معيشي سابق - كما عبّر عن ذلك ولي العهد في أكثر من موقف - ظل 30 عاما، أو تزيد، مطموراً بفعل ما أنتجته الصحوة من مفاهيم خاطئة، ودلت عليه متطلبات التنمية المستدامة التي يبرز منها؛ تنويع مصادر الدخل والقفز من قطار «الاعتماد على النفط» الذي يسير إلى وجهةٍ غير معلومة.

نمطٌ معيشي يرتكز على وسطية الإسلام، وينهل من فقه «تدين الدولة»، الذي تتسع فيه دائرة التيسير لتحقيق المصالح العامة على نحوٍ أكثر مما هو عليه في فقه «تدين الفرد»، الذي يتمحور حول المبدأ الشرعي «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك».

عوداً إلى القصة، ينبغي ألا نكون ذلك الرجل الذي اعتبر تلك المظاهر مصداقاً لما يُثار من الأطراف المعادية، من ادعاءات تفيد بأن السعودية تخضع لعملية علمنة وأمركة وغربنة، وغيرها، فجعل من نفسه دمية في أيدي أولئك الناقمين، تحركه «تغريدة» منهم ضد وطنه، أو رسالة «واتساب» مجهولة المصدر، وألا نكون الآخر الذي يرى أن ما يحدث هو تجلٍ لفهمه السقيم، وميله العظيم، وانتصارٌ لليبرالية، التي لا يعرف منها سوى اسمها، على المحافظة التي يسميها رجعية وتخلفا!

بل ينبغي أن نكون جميعاً ذلك الرجل الذي كان يقف في الوسط، المسلم الطبيعي، المعتز بقيمه ومبادئه، الشغوف برؤية وطنه في مصاف الدول الموغلة في التقدم، ذلك الرجل الذي ما إن رأى صاحبيه يتعاركان حتى أدار لهما ظهره ومضى يبحث عن عمل أو حتى قول بليغ يسهم به في بناء مجتمع حيوي، واقتصادٍ مزدهر، ووطن طموح.

NaifMoalla@