جمهورية دينية وجمهورية عسكرية

زياد الدريس |

«كان رفسنجاني جزءاً لا يتجزأ من المشهد الطائفي في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وكان يقوم بإعادة تعريف قواعد اللعبة في شكل مستمر!». هكذا تصف ورقة بحثية، صادرة عن مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، الشخصية الإيرانية المثيرة للجدل السيد هاشمي رفسنجاني الذي توفي في الثامن من كانون الثاني (يناير) ٢٠١٧م. (حياة وإرث هاشمي رفسنجاني، ميكافيلي الجمهورية الإيرانية - مسارات، شباط (فبراير) ٢٠١٧).


يعرض البحث بالتفصيل الخصومات (الديموقراطية) بين المعمّمين المسيطرين على المشهد السياسي في ايران، وخصوصاً خفايا تبادل الكراسي بين زعماء المعسكر الاصلاحي الوسطي، الملالي: رفسنجاني خاتمي موسوي كرّوبي روحاني.

هذا التداول السلمي للسلطة في إيران/ الثورة يجب أن يجعلنا نتساءل:

ما الذي جعل جمهورية ثيوقراطية (دينية) قادرة على فرض الشكل المدني على صراعات رجال الدين فيها؟!

يحدث هذا في جمهورية لم تكمل بعد ٤٠ عاماً منذ تأسيسها، بعد أن أسقطت الامبراطورية السابقة لها، بينما عجزت الجمهوريات العربية، على رغم أقدمية نشوئها، عن الانضباط الديموقراطي. هذا على رغم أن الجمهورية الإيرانية خرجت من رحم حُكم إمبراطوري أحادي، بينما خرجت الجمهوريات العربية من رحم الاستعمار التعددي المتمدن. ربما كان الأفضل تعبيراً أن أقول أن الأولى انسلخت من جلد الأحادية بينما انسلخت الثانية من جلد التعددية!

هل لأن (الجمهوريات) العربية ليست في حقيقتها جمهوريات مدنية بل عسكرية، وهل الحاكم الديني أكثر قابلية للتمدن (والدمقرطة) من الحاكم العسكري؟!

كم هو مؤلم للمواطن أن يُلزم على الاختيار بين جمهورية دينية أو جمهورية عسكرية!

لماذا لم (يَعمُر) الاستعمار مبادئَ الديموقراطية المدنية في الجمهوريات العربية قبل خروجه منها، ألم تكن هذه من أولويات وظائف الاستعمار، إذا كان إعماراً حقاً؟ أم أنه، وفق التفسير التآمري المتاح، قد زرع فتيل النزاع التعددي بدلاً من الوئام التعددي؟ لكن لماذا لم تحدث (المؤامرة) إلا في المستعمرات العربية (والأفريقية) بينما تنعم المستعمرات الآسيوية السابقة بجمهوريات ديموقراطية ناضجة تفوّق بعضها، كالهند، على النموذج الديموقراطي الغربي. هل تكمن المشكلة في الإرث السياسي العربي، المحدود الأفق، مقارنة بالإرث السياسي الوفير الذي ما زالت إيران تمتحه من خزانة الحضارة الفارسية العريقة، رغم كل التحولات الدينية والأيديولوجية التي غَشَتْها؟

أم أن الغرب ساهم وما زال يساهم في ضبط المسار السياسي في إيران والحفاظ على توازنه وحفظه من الترنح، وذلك كي تتفرغ (الجمهورية الإسلامية) لأداء دورها التخريبي في المنطقة؟!

أسئلة كثيرة غير هذه يمكن إثارتها وتكرار محاولة الإجابة عنها لفهم أسباب فشل الجمهوريات العربية ونجاح غيرها؟!

ولكن من الملفت، بإزاء ذلك الفشل المديد والمستفحل، أنْ دأبَ (الجمهوريون) العرب على السخرية من الملكيات العربية بوصفها لم تحظ بالتمدن الذي حظيت به (الجمهوريات) العربية!

واستمر (الطليعيون) العرب يتطاولون على التجربة التنموية للملكيّات، باعتبار أن هؤلاء يمثِّلون الرجعية، بينما أولئك يمثّلون النموذج التقدمي للشعوب العربية، متناسين أو متغافلين الفارق التنموي والنهضوي الشاسع بين الملكيات المستقرة والجمهوريات المترنّحة!

هذا الرضا والإعجاب المغشوش من لدن نُخَب (جمهوريات الفوز) العربية يعطي مؤشراً بأن فشلها سيطول ويطول!

* كاتب سعودي

@ziadaldrees