المجلس والمؤتمر فئويان لا وطنيان

ماجد الشيخ |

في سياق الافتراق السياسي والجغرافي الفلسطيني، بات يترتب على سلوك الكثير من قوى المشروع الوطني، واقع أكثر انقساماً وتفتيتاً وتشتيتاً للجهد الوطني، وانتقال مأسوي، كلٌّ إلى ضفة، منها يلقي الجميع بأحجاره ضد الضفة الأخرى، مع أن العدو الاحتلالي الإسرائيلي يقيم أسواره الحديدية في كل مكان من الأرض، يطوق ويحتل كامل فلسطين التاريخية؛ فيما أهل الأرض ينتفضون في مسيرة عودتهم ويقاومون شعبياً، في تأكيد متجدد لأهداف الفلسطينيين كشعب يسعى إلى الخلاص من الاحتلال على قاعدة تحرير الأرض، لا على قواعد متهالكة تفاوضية، جرى إفشالها، في وقت يجري فيه التأسيس لقواعد «لا تفاوضية»، يأتي بها اليمين الترامبي الأميركي في توافق وانسجام مطلقين مع هوى حكومة اليمين الإسرائيلي، لفرض «رؤى خلاصية» تنتصر لعنصرية الاستعمار الاستيطاني، وأهدافه في القضاء على حلم الحركة الوطنية الفلسطينية. وليس هناك أفضل من هذا الوقت للإقدام على مثل هذه الخطوة.

في هذا الوقت تحديداً، تؤسس قوى الانقسام السلطوية للمضي قدماً، في ترسيخ وتكريس واقع مريض «لا شفاء منه»، إلا باستعادة تلك الوحدة الوطنية الجبهوية، التي تعيد للكفاح الوطني التحرري ألقه، على هدي الأهداف والمنطلقات التي جاءت الحركة الوطنية الفلسطينية لتؤسسها في واقع الركود والهزائم وخيبات الفشل، التي سادت طوال فترة ما بعد النكبة الأولى، وصولاً إلى بدايات النكبة الثانية، وبدء الكفاح المسلح في العام 1965 ما قبله وما بعده. وقد تأسست لهذه الغاية منظمة التحرير الفلسطينية، من قبل مجموع التنظيمات والفصائل التي عادت لتعيش مرارات الانقسام والانشقاق والتباعد والافتراق؛ وقد تجسد أخيراً في تكريس متراسين لسلطتين تتناحران للحفاظ على مصالح شخصية وفئوية وزبائنية خاصة، رغم وجود حالة نهوض شعبي ومقاومة شعبية تسعى إلى كسر حالة الجمود والستاتيك السلطوي، في محاولة لاستئناف العمل من أجل الأهداف الوطنية التي تجمع الكل الفلسطيني حولها.

في المقابل، تشكل الدعوة إلى انعقاد دورة جديدة، غير توحيدية للمجلس الوطني الفلسطيني، مستحقة منذ زمن طويل؛ بدعوة من قيادة السلطة وفتح، في ظل استبعاد واحتجاج ورفض آخرين، إضافة فصل جديد من فصول انقسام الشرعيات الوطنية، الأمر الذي يضفي عطالة وبطالة سياسية جماعية، في ظل انفراد وتفرد قيادي أحادي في اتخاذ القرار، وكل هذا من بركات اتفاقات أوسلو، وما جرّته من تداعيات نشوء السلطة وتغول مؤسساتها الضعيفة أصلاً، واستقوائها كفرع على أصل البيت الفلسطيني وكيانه الجامع ممثلاً في منظمة التحرير الفلسطينية، تخلياً عن كيانيتها وإمكانياتها القيادية، لمصلحة انقياد خلف مصالح شخصية وزبائنية خاصة، أضحى معها التنسيق الأمني وفق المفاهيم «الدايتونية» أقوى من التنسيق الوطني، للاحتفاظ بوحدة وطنية كفاحية بين قوى الصف الوطني الفلسطيني؛ وقد جاء الانقسام السياسي والجغرافي في العام 2007 ليضفي مزيداً من عوامل ومسببات الشرخ العامودي بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وها هو يتكرس بفعل أطراف الانقسام، ومن لفّ لفّها من فئويات فصائلية.

وعلى هامش دورة المجلس الوطني، ذكر أن هناك مساعيَ لعقد مؤتمر وطني في بيروت، وآخر في غزة في نفس الوقت تقريباً، بمشاركة قوى وفصائل وهيئات وأعضاء المجلس الوطني (110) الذين أعلنوا مقاطعتهم خطوة انعقاده في رام الله، تأكيداً واحتجاجاً على عدم مشروعيته، وتفرد «فتح» وفصائل أخرى بالدعوة لانعقاده.

هكذا وبقدرة الانقسام السياسي والجغرافي، تحولت المؤسسات الشرعية كمؤسسات وطنية إلى مؤسسات فئوية، لم يعد ممكناً الحديث عن تصنيفات وطنية جامعة لتلك المؤسسات، وهي تفقد مصداقيتها الوطنية، لمصلحة توجهات فئوية ومصلحية فردية، تتنافى معها أسس العلاقات الجبهوية الوطنية التي اعتاد الوضع الوطني الفلسطيني أن يحل إشكالاته المستعصية داخل أطرها الوطنية الشرعية، لكن اليوم وقد جرى سلب وتجريد كامل المؤسسات الشرعية من مشروعيتها، لم يبق من رهان إلا على المقاومة الشعبية والجماهيرية، في أن تعيد توجيه البوصلة الكفاحية، التي يجري التنكر لها وتجاهلها، من قبل أهل السلطة على جانبي الانقسام المقيت.

* كاتب فلسطيني