خلفياتُ زّج النازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين في بازار الإنتخابات اللبنانية

مي الصايغ |

لم يكن مُستغرباً زجّ أزمة النزوح السوري في بازار الإنتخابات التشريعية التي يشهدها لبنان في 6 أيار (مايو) الجاري، وربطها بفزاعة توطين اللاجئين الفلسطينيين، واستغلال الهواجس التي تُثيرها لشد العصب الطائفي، بدل العمل على ايجاد حلول لهذه الأزمة. واقع سبق وانسحب على دول أوروبية عدة، وفي طليعتها ألمانيا، حيث لعب حزب «البديل من أجل ألمانيا» على وتر التهويل من «غزو الأجانب». ولكنّ السؤال الذي يُطرح، لماذا هذا التجييش في هذا التوقيت، والى ماذا يُمّهد؟

منذ تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، كان التوظيف السياسي لملف النزوح في الانتخابات يسير بوتيرة مقبولة نسبياً، حتى صدور إعلان الرؤساء المشترك الصادر عن الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة في ختام مؤتمر «مستقبل سورية والمنطقة» في بروكسيل في نيسان (أبريل) الماضي. منذ تلك اللحظة ارتفع منسوب التجييش بشكل قياسي، وسط اجماع كل من رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، ورئيس مجلس النواب نبيه بري، ووزير الخارجية جبران باسيل على وجود نية لدى المجتمع الدولي للتوطين المقنّع للنازحين.

وبدأت المسألة تحتل حيزاً كبيراً في خطاب بعض المرشحين، بخلاف ما كان عليه الأمر قبل اسبوعين، في نظر الخبير في شؤون اللاجئين في مركز عصام فارس للسياسات العامة في الجامعة الأميركية الدكتور ناصر ياسين.

الإتحاد الاوروبي والأمم المتحدة سارعا الى اصدار بيان ينفي نية المجتمع الدولي توطين النازحين السوريين في لبنان، وتوضيح اللغط بشأن الفقرة 16 في الإعلان، والتي تتعلّق بالنازحين حصراً داخل سورية.

وزير الدولة لشؤون النازحين معين المرعبي أوضح بدوره أنّ «هناك وثيقتين عرضتا في بروكسيل، الأولى تحت عنوان: الشراكة بين الحكومة اللبنانية والاتحاد الاوروبي والأمم المتحدة، وأُخذت كل التعديلات التي أبداها الجانب اللبناني في الاعتبار، لا سيما في مجال عودة النازحين السوريين. والثانية جاءت تحت عنوان: اعلان الرؤساء الصادر عن الامم المتحدة والاتحاد الاوروبي، بشكل ثنائي»، مُتهماً باسيل بـ «إسقاط ما جاء في الفقرة 16، والتي تتعلّق بالنازحين داخل سورية من الوثيقة الثانية على الداخل اللبناني بشكل خاطئ، وزج هذا الأمر في البازار الانتخابي»، وداعياً إياه الى «عدم استكمال حملته الانتخابية بتسخير ملف إنساني محض من خلال تصريحات تظهر وكأنّ باسيل المُؤتمن الوحيد على مصلحة لبنان وسياده».

ياسين من جهته، لم ير شيئاً مخالفاً في اعلان الرؤساء الصادر عن بروكسيل لأدبيات الامم المتحدة والاتحاد الاوروبي عمّا سبق. ولكنّ الواضح في نظره أنّ «ما يجري هو تحضير لما بعد الانتخابات التشريعية، ويأتي في سياق التوجه لرسم خطوط جديدة لتعامل الحكومة المقبلة مع ملف النزوح السوري، والعودة تحديداً».

فاللغط في إعلان بروكسل، كان كفيلاً بتوتير الأجواء واللعب على وتر الخوف لدى قسم من اللبنانيين الذين يخشون من نيات مُبيتة للأسرة الدولية بعد فشلها في اعادة اللاجئين الفلسطينيين. هذا فضلاً عن الرواسب القديمة في العلاقات بين لبنان وسورية، والهواجس الديموغرافية، والتنافس على فرص العمل والضغط على الخدمات العامة بين النازحين والمجتمعات المضيفة، ما جعل هذه القضية مادة دسمة لتعبئة الشارع لأهداف سياسية وانتخابية، وهو ما سبق وشهدناه باستغلال المخيمات الفلسطينية وحال البؤس والفقر من أجهزة الاستخبارات والتنظيمات المتطرّفة.

غير أنّ منسّقة لجنة النازحين في «التيار الوطني الحر» ومستشارة باسيل، الدكتورة علا بطرس، ترفض اتهام وزير الخارجية بتوظيف إعلان بروكسيل في الانتخابات. وتلفت إلى أنّ «ملف عودة النازحين سيكون أولوية بعد استحقاق 6 أيار»، وهو ما يتفق مع ما ذهب اليه ياسين.

وتقول بطرس: «الوزير باسيل لم يستغل موضوع بروكسيل سياسياً، بل نسعى في التيار الوطني الحرّ للإضاءة على أخطاره عبر الإعلام. الموضوع الفلسطيني نقّزنا، المجتمع الدولي لم يقم بأي مبادرة حسن نية لتسهيل عودة النازحين. خلافنا مع فريق الرئيس (سعد) الحريري أنّه يريد ان تتولى الأمم المتحدة تنسيق عودتهم. تاريخياً لم تبادر الأمم المتحدة لإعادة لاجئي أي دولة في العالم. الدول نفسها كانت تتخذ قراراً سيادياً للعودة، ومن ثم تساندها مفوضية الامم المتحدة لشؤون اللاجئين بتسهيل ذلك».

وفي وقت يتهم المرعبي باسيل بتعطيل عمل اللجنة الوزارية المختصة بأزمة النزوح، وإقرار السياسة العامة، ومنع تسجيل الولادات الحديثة، ووقف تسجيل النازحين السوريين المتواجدين على الأراضي اللبنانية، ترفض بطرس تحميل باسيل المسؤولية، وتشير إلى انّه «بعد الانتخابات سيكون هناك اجراء لجدولة العودة، وهذا سبق ووعد به الرئيس عون في خطاب القسم، وهو يتقاطع مع ما كشف عنه الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله منذ ثلاثة أسابيع عن اتفاقه مع التيار الوطني الحر في ما خصّ النزوح والعودة الآمنة».

وتعتبر بطرس أنّ «حجة فريق الرئيس الحريري بعدم دفع النازحين الهاربين من النظام مُجدداً الى حضن الجلاد، ليست دقيقة بناء على مؤشرين، أولهما انتخابات 2014، حين زحف السوريون الى اليرزة للتصويت للرئيس بشار الاسد، والثاني انّ النظام منذ نشأته، سلطوي ولم يتحوّل بين ليلة وضحاها من ديموقراطي الى سلطوي، لنسمح ببقائهم الى حين يرغبون بالعودة».

وعلى رغم إعلان اللجنة الدولية للصليب اﻷحمر، أنّه خلال 2017 هناك خمسة نازحين داخل سورية بمعدل كل دقيقة، تصرّ بطرس على موقف عون بضرورة بدء جدولة عودة النازحين الى المناطق الآمنة حالياً وعدم انتظار تبلور حل سياسي للازمة السورية، مذكّرة بتجربة عودة اهالي بين جن ومزرعة بيت جن الى اراضيهم في ريف دمشق. وتتابع: «إنّ محافظة إدلب التي لا تشكّل سوى 3.29 في المئة من مساحة سورية هي فقط غير آمنة بخلاف بقية المحافظات، وأنّ 80 في المئة من النازحين موجودون في لبنان بدافع اقتصادي، وفق احصاء أعدّته وزارة الشؤون الاجتماعية».

العنصر الفلسطيني حاضر

ولكن اين العنصر الفلسطيني من كل ما يجري؟

يتوارى العنصر الفلسطيني في استحقاق 6 أيار خلف السوري، حسبما يؤكّد مدير مركز «تطوير» الكاتب الفلسطيني هشام دبسي. ولكن عند الحديث عن التوطين يتم شملهما معاً، واضعاً اقتراح باسيل على وكالة «الأونروا» شطب اللاجئين الفلسطينيين الذين يغيبون عن لبنان من سجلاتها، في خانة «رغبته في التخلص من اللاجئ الفلسطيني، ومعتبراً أنّ باسيل لا يرى أي دور فلسطيني ايجابي، وليس مُهتماً بإعلان المصالحة اللبنانية- الفلسطينية ولا بالحقوق الإنسانية للاجئين».

ووسط ذلك، يُسجّل للناشطة الحقوقية السياسيّة والفلسطينيّة اللبنانيّة - كما تعرّف عن نفسها - منال قرطام اعلانها الترشّح عن المقعد الفلسطيني في الدائرة الثالثة الافتراضية في بيروت. دافع قرطام كان الاستفادة من موسم الانتخابات لإعادة تسليط الضوء على الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للاجئين الفلسطينيين وضرورة إدراجها في برامج المرشحين.

ويتأسف دبسي لـ «الاستمرار في استغلال موضوع اللاجئين الفلسطينيين الذي لا يزال يتمّ عبر وجهتين، أولهما بالتحريض وشد العصب المحلي برفع الصوت في مواجهة التوطين. وحتى القوى التي انخرطت في مصالحة مع الفلسطينيين مثل القوات والكتائب تستعيد بعض المواقف من تراث الحرب الأهلية، لتأكّد أنّها ضد التوطين وأنّها قاتلت لمنع تحقيقه. هذا الأمر ينسحب على القوى القومية واليسارية والإسلامية، التي تغذي بدورها هذه النزعة»، يوضح دبسي.

أمّا الوجهة الثانية، فتتمثّل بمحاولة «استقطاب المجنسين الفلسطينيين، وعددهم مغر بالنسبة الى بعض القوى السياسية التي تلجأ اليهم في موسم الانتخابات، عندها يشعر الفلسطيني المجنّس بانّه لبناني حتى يوم الانتخاب، ليتمّ بعدها نسيانه»، مُذكّراً بصولات النائب نعمة الله ابي نصر، أشد المحرّضين ضد الفلسطينيين المجنسين.

تجربة مقارنة مع الانتخابات الألمانية

والجدير بالذكر أنّ ما يشهده لبنان من توظيف لملف النازحين، سبق ولمسته في انتخابات البرلمان الألماني (بوندستاغ) في أيلول (سبتمبر) الماضي، حين لعب حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني الشعبوي الذي حاز على 13.5 في المئة، على وتر الخوف من الآخر، واستغل تداعيات قرار المستشارة انجيلا ميركل العام 2015 بفتح الحدود أمام اللاجئين، للترهيب من «غزو الأجانب» البلاد.

غير أنّ هذا الحزب لم يجيّش الشارع الألماني من «رهاب اللاجئين» فقط بل عمل على تغليب نزعة الشعور الوطني، ورفض الاستمرار في الاتحاد الأوروبي، بمعنى أنّه كان يحمل برنامجاً سياسياً، يحاكي تطلعات ناخبيه، هذا من دون اغفال الفارق في تداعيات اللجوء على اقتصاد بحجم ألمانيا بالمقارنة مع بلد مثل لبنان.

وبالعودة الى لبنان، وفي ظلّ «المناخ الانتخابي السائد، لم يتم فقط تجاوز القوانين العامة والاعراف، بل الاخلاق، حيث أصبح الفوز بمقعد نيابي بأي ثمن سواء بالرشوة او بالخطاب العنصري التحريضي ضد اللاجئين والنازحين، بدل التنافس بين من يناصر الحقوق ويسهم في تطوير التشريعات»، حسب دبسي.

بدوره، يأسف ياسين لتعزيز السياسيين الأجواء السلبية ضد النازحين، وانطلاقهم من الحقائق القاسية على الأرض، بدل استنباط حلول للأزمة والتخفيف من آثارها، فيما تؤكّد بطرس أنّ «باسيل ونحن في التيار نريد التوافق، وسنسعى بعد الانتخابات الى التوصل الى قرار لبناني موحّد أمام المجتمع الدولي لجدولة عودة النازحين».

ويبقى الخوف من تحوّل ملف النزوح الى اشتباك سياسي بعد الانتخابات وسط سعي بعض القوى إلى تعويم النظام السوري، مع أمل شبه معدوم بامكاني تشكيل لوبي للضغط، ووضع ملفي النزوح السوري واللجوء الفلسطيني على سكتهما الديبلوماسية الصحيحة بما يضمن سيادة واستقرار لبنان وعودة النازحين واللاجئين الكريمة الى وطنهم. فهل يتفادى سياسيو لبنان تكرار التجربة الفلسطينية ويخرجون بسياسة وطنية موّحدة؟