أوبير حداد يرى باريس بعيون بؤسائها

غلاف الكتاب
باريس - أنطوان جوكي |

كلّ رواية للكاتب التونسي ـ الفرنسي أوبير حداد هي دائماً وعدٌ بسفرٍ شعري. ومع أنّ روايته الجديدة «كاستينغ سوفاج» (دار «زولما»)، لا تذهب بنا إلى أبعد من باريس، لكنّها تجعلنا نكتشف هذه المدينة تحت ضوء مختلف كلياً عن «أنوارها» المعروفة. «باريس حيث يستهلكنا الجوع والعزلة».


وكما في معظم رواياته السابقة، يُعشِّق حداد في هذه الرواية أزمنة مختلفة، كما لو أن الأمر يتعلّق بـ «مُربِكَة» (puzzle) ما أن تكتمل قِطَعها حتى يتجلّى فيها ما يسعى الكاتب إلى تصويره، الألم. أزمنة النص، أزمنة التاريخ، الزمن الراهن، وزمن فيلمٍ في طور الإعداد يشكّل أحد المحرّكات السردية في الرواية.

النص هو ذلك الذي وضعته الكاتبة مارغريت دوراس تحت عنوان «الألم»، وتصوّر فيه انتظارها عودة زوجها الشاعر روبير أنتيلم من أحد معسكرات الموت النازية. الفيلم هو ذلك الذي اقتبسه حديثاً إيمانويل فينكيل من هذا النص، وإن لا يسمّيه حداد في الرواية. التاريخ هو تلك المرحلة التي نشطت فيها آلة الموت في المعسكرات المذكورة. أما الراهن فهو الاعتداءات الإرهابية التي شهدتها باريس في 13 تشرين الثاني (نوفمبر) 2015. تاريخ لم يختره الكاتب فقط بسبب عدد الضحايا الكبير الذي وقع خلاله، بل أيضاً لأن أخاه ميخائيل أقدم في مثل هذا اليوم على الانتحار في إسرائيل عام 1979، بعدما رأى كيف تعامل هذه الدولة الفلسطينيين.

بطلة الرواية راقصة شابة تدعى داميا وتصاب برصاصة في ركبتها أثناء الاعتداءات المذكورة، ما يقضي على حلمها في الصعود إلى خشبة المسرح وتأدية الدور الرئيس في باليه صُمَّم خصيصاً لها. وبما أنه «لا خلاص للفنان الذي يُمنَع من ممارسة فنّه»، تتابع داميا «الرقص»، ولكن لنفسها فقط، حتى الألم، عن طريق تجوالها المستمرّ في شوارع باريس. وأثناء دورانها «الراقص» في هذه المدينة، تلتقي بصديقة لها تكلّفها بمهمة العثور على الأشخاص المناسبين لتأدية دور العائدين من معسكرات الموت النازية في المشهد الأخير من الفيلم المقتبَس من رواية دوراس. أشخاص عليهم أن يكونوا هزيلين جداً، جائعين، مهمّشين، وأن تعكس عيونهم التائهة يأسهم وبؤسهم وهشاشتهم.

هكذا، وبدلاً من السير من دون هدف، تجد داميا نفسها تطوف في أحياء باريس بحثاً عن هؤلاء الأحياء ـ الأموات. وكان يمكن لهذا البحث أن يشكّل نزولاً إلى الجحيم لولا طيبة هذه الشابة واختبارها الألم بنفسها، ما يمكّنها من تحويل كل حوار مع مَن ستختارهم للمثول في الفيلم إلى لقاءٍ حقيقي. وفي هذا السياق، نتعرّف معها إلى عدد كبير من بؤساء باريس ونصغي إلى قصة حياتهم فتنكشف أمامنا مأساتهم، كذلك الرجل السائر أبداً الذي لا يحفظ من الزمن العابر إلا اهتراء نعل حذائه، أو تلك الشابة التي لم تعد قادرة على الأكل وتبدو كعصفور هشّ في ثوبها الأحمر الذي يطفو فوق جلدها، أو البهلوان الذي ينشط في الشوارع ويذكّرنا بالمهرّجين في أفلام فيلّيني، أو القاتل الذي وضع نفسه، فور خروجه من السجن، في خدمة اللاجئين. باختصار، أشخاص في غاية الإنسانية ولا أحد يأبه لمحنتهم.

وثمة شخصٌ آخر تأمل داميا بلقائه في متاهة باريس، ونقصد ذلك الشاب الذي، بعدما صادفته ثلاث مرات، أعطاها موعداً على رصيف المقهى الذي انقلبت حياتها فيه رأساً على عقب. شاب لم تنسَ صوته الضاحك ولا اللون الرمادي لعينيه، وما زالت تعتقد بأنها ترى قامته هنا أو هناك، على رغم معرفتها بأنه كان واحداً من الإرهابيين الذين قَتلوا وجرحوا عشرات الأبرياء في ذلك اليوم المشؤوم. وكما لو أن كل هذه الشخصيات لم تكفِ حداد، يضيف عليها شخصيتين: إيغور، أستاذ الرقص السابق لداميا الذي فقد شغفه بمهنته منذ إصابة تلميذته المفضّلة وتخلّيها عن الرقص، والممثّل ماتيو الذي نراه يحاول عبثاً إطفاء حزنه بالكحول على متن مركبه المركون تحت جسر «تورنيل» حيث رمت حبيبته نفسها في نهر السين.

ولولا شخصية داميا، لما تردّدنا في وصف هذه الرواية بالمعتمة. وعلى رغم جرحها الذي ما زال ينزّ وجعاً ويجبرها على العرج، تتحلّى هذه الشابة بخفّة مدهشة تجعلها تبدو مثل عصفور مكسور الجناح يتكفّل الريح بنقله من مكانٍ إلى آخر. شابة تتشبّث بالأمل في لقاءٍ يغيّر حياتها، من منطلق قناعتها بأن «المأمول وما يتعذّر تصديقه يلتقيان أحياناً». وبهذه الخفة وهذا الأمل، تتجوّل بنا في باريس كاشفةً وجوه هذه المدينة التي لا تحصى وذاكرة المآسي التي تسكنها. مدينة تستمدّ حيويتها من أولئك الذين يحلمون بها، ومع ذلك لا تعبأ بآلام وأحلام مَن ينام في عراء ساحاتها وأزقّتها.

ولعل أهمية «كاستينغ سوفاج» تكمن في هذه النقطة بالذات، أي في رصد حداد نصّها القصير نسبياً (160 صفحة) لكي تصوِّر- من أقرب مسافة ممكنة- معاناة المتشرّدين واللاجئين في مدن الغرب الكبرى، إضافة الى وصفه آثار العنف الإرهابي على مَن يقع ضحيته. وفي هذا السياق، يستعين بتنقُّل بطلته المستمرّ داخل المدينة وبلقاءاتها مع بؤساء باريس من أجل إلقاء نظرةٍ حادّة وبصيرة على بؤساء عالمنا ككُلّ وإيصال صراخهم اليائس إلينا. ولا شك في أن نثره الشعري يلعب دوراً رئيساً في بلوغه هدفه. وعبر تكثيفه ومدّه بنبرة ساكنة وبطيئة، يتمكّن صاحبه من قول الكثير بكلمات قليلة، مراهناً أيضاً على ذكاء القارئ وقدرته على القراءة بين السطور واستشفاف الرسائل المسيَّرة في نصّه.

ومن أبرز هذه الرسائل تلك التي نستخلصها من مقابلة الكاتب المرحلة النازية بمرحلتنا الراهنة، عبر إظهاره الشبه بين بؤساء باريس اليوم وأولئك الذين عادوا إليها من معسكرات الموت عند نهاية الحرب العالمية الثانية. فهو لا يفضح فقط مدى عنف زمننا، بل أيضاً تجاهُلنا هذه الحقيقة الرهيبة والالتهاء عن مآسي العنف الراهن وضحاياه بمآسي العنف الذي حصل في الماضي وضحاياه، من دون أن نستخلص أي عبرة منه. ومن هذا المنطلق يقول: «إنهم لا يأتون من (معسكرات) أوشفيتز أو أوريانينبرغ أو موتاوسين أو بوشينفالد، بل من شوارع باريس التالِهة، نساء ورجال، عجائز وأطفال، يسيرون ببطءٍ على خطى المُرحَّلين الضائعة».

لكنّ هذا لا يعني أن الرواية مجرّدة من الأمل، فطاقة الحب تبقى حاضرة وفاعلة على طول نصّها، وخصوصاً في نهايته، حيث يتحرّر الممثّل ماتيو من حزنه على حبيبته إثر وضْعِ القدر دايما على دربه، وهو ما يجعل من «كاستينغ سوفاج» نشيداً للحيوية الخلّاقة والعاشقة.

وفي حال أضفنا أن دايما ليست شخصية روائية فحسب، بل أيضاً استعارة للكتابة نفسها، لتبيّنت لنا قيمة الرواية كلها. فمثل هذه الشابة بعد إصابتها، الكتابة هي أن نعرج، لكن أن نبقى في بحثٍ عن توازنٍ. أن ننحني فوق هوّةٍ ونجازف في الوقوع، قبل أن نستقيم وننتشي بسعادةٍ ناتجة من ارتقائنا بألمنا. أن نتعلّم المشي مجدداً وبطريقة مختلفة، وأن نخرج من الوهم الرومنطيقي للأدب من أجل ابتكار لغةٍ جديدة، تماماً مثل أوبير حداد في كل واحدة من رواياته.