عن ذكرى النكبة المقيمة في تاريخنا

حسن شامي |

إذا اعتمدنا مطابقة الحمولة الزمنية - التاريخية للحدث مع العمر الفردي فإن السنوات السبعين لما يعرف بالنكبة ستكون كافية للترميز إلى شيخوخة ما. هذا النوع من الشيخوخة، أو من الهرم بحسب ابن خلدون، يسعه أن يطاول، علاوة على الأفراد، سلالة أو سلالتين من القابضين على ناصية السلطة والمتمسكين بحصرها في عصبية تخصهم سواء كانت هذه العصبية عائلية أو فئوية او مذهبية.


نعلم أن مثل هذا الرقم لا يعني شيئاً كبيراً في منظار الظواهر الأكثر ديمومة والأكثر تجذراً في التاريخ، كما هي حال الجماعات وأشكال انتظامها وانخراطها في جسم أو كيان سياسي قد يتطابق مع إقليمها وقد لا يتطابق، بل قد يفيض عن إقليم الجماعة جاعلاً منها ومنه عنصراً أو وجهاً من وجوه توازن أو تجاور بين مكونات مختلفة، ومتنافسة في معظم الأحيان، كما هي الحال في النمط الإمبراطوري العثماني.

في الأيام القليلة القادمة سترتمي علينا، أو ستُقذف في وجوهنا لا فرق، تعبيرات من الطراز الموصوف أعلاه. سيحصل إحياء ذكرى النكبة وفق خريطة قوى ومشاعر وانفعالات تشبه كثيراً تلك التي أعقبت الإعلان عن نشأة الدولة العبرية وهزيمة الجيوش العربية وانكشاف حجم النزوح وأنين دلالاته. ذلك أن هذا النزوح عاشه أصحابه وفق ترسيمة تجمعات أهلية متذررة، عائلية وقرابية وجهوية محلية، مما جعل اكتشاف توزعه على خريطة ترابية أو جغرافية واسعة بمثابة اكتشاف شعوري لضعف ترجمة هذه الخريطة بلغة الجسم السياسي الحديث، أي الإقليم الوطني.

لنقل إن الاحتفالات بالذكرى السبعين ستتوزع على ضفاف متقابلة. سيحتفي الإسرائيليون بذكرى الحدث بوصفه بؤرة انتصار متصل وثابت على رغم التعرجات والمخاوف الدورية. وسيجري تقديم الحدث في صورة انتصار لمرجعية الوعد التوراتي واحتضانه مسبقاً لمستقبل الشعب اليهودي. بهذه الطريقة ستكون ظروف الصراع الحقيقية مجرد شواهد وأمثلة على قوة الماضي ورسوخه عندما تتعهده قوة ناشطة متشكلة بطريقة عصرية تدمج الدين والاتنية والقومية في هوية واحدة شبه مطلقة. سيتعزز الشعور الإسرائيلي بالانتصار بإقدام إدارة ترامب على نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس بحسب ما وعد الرئيس الأميركي المصاب بنوبات إلهام دورية في مقدمها اعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل.

في المقابل، نستبعد، مثلنا مثل كثيرين، إمكان أن يحيي الفلسطينيون والعرب ذكرى النكبة وفق ترسيمة مشاعر تتجاوز مفاعيلها السلبية ووقوعها في شيخوخة مبكرة وغير طبيعية. ثمة بالفعل، في طول المنطقة وعرضها، شعور بأن المسألة الفلسطينية شاخت ولكن من دون أن تكبر. ولا تقتصر المفارقة على هذا الوجه. فهي تنطوي أيضاً على انتشار وعي زائف ومغشوش يعتبر القضية الفلسطينية زائدة عن الغرض وأن التمسك بالدفاع عنها هو من عوارض عاطفية مرضية وقصور في فهم الواقعية السياسية ومتطلباتها. غير أن هذا التشخيص الذي يعتبر الانكباب على المسألة عائقاً ومعطلاً لنهضة المنطقة أو القطر أو الأمة لا يندرج في مشروع يمكن أن نتعرف فيه إلى ملامح أو وجهة للتنمية المزعومة. حين ننظر إلى مثل هذه التشخيصات نكتشف أنها تعبيرات مخادعة عن تهرب واضح من مسؤوليات التكون السياسي المستقل والراشد.

مع أن النكبة تندرج في إطار الأحداث الكبرى للتاريخ السياسي الحديث، فإن تمثيل الحدث - المنعطف بمواصفات الكوارث والنوازل الطبيعية المأسوية قلل من حظوظ تعقله في منظار وعي تاريخي لجملة الشروط والملابسات التي أفضت إلى اتخاذه الشكل الذي أخذه ومعه أثقال الانفعالات والاستحقاقات المعنوية المصاحبة للاقتلاع والنزوح والشعور، لدى الفلسطينيين عموماً، بالخروج من الجغرافيا ومن التاريخ في آن معاً. المراجعة النقدية للنكبة ولمسار الحركة الوطنية الفلسطينية ومكاشفة نقاط ضعف تشكلها وأخطائها تظلان مطلوبتين وضروريتين. من المهم جداً في الوقت ذاته عدم الاستسلام لنزعة المبالغة في النقد الذاتي وتفادي الوقوع في كراهية الذات باعتبارها الوجه الآخر للمركزية الذاتية. فهناك علاقة بين واقع الفلسطينيين وانقساماتهم المتجددة وواقع الاصطفافات والنزاعات الإقليمية والدولية التي تلف المنطقة. في هذا المعنى يمكن القول إن النكبة ليست شيئاً نلتفت إليه. النكبة ليست وراء الفلسطينيين أو وراءنا نحن العرب. النكبة ماثلة تحت أقدامنا كأنها تحملنا وتحرك الأرض التي نقف عليها. إنها صخرة التاريخ التي يحملها الفلسطينيون على ظهورهم ونحملها معهم. فالمقدمات التي أفضت إلى النكبة تكاد تكون اليوم هي نفسها تتحكم بلعبة الاصطفافات في خطوطها العريضة. وهذا يكشف عن مستوى النكوص العام في المنطقة سلطات ومجتمعات، ومستوى النكوص أيضاً في الديموقراطيات الغربية. فالدولة العبرية خاطبت منذ نشأتها المخيلة الاستعمارية الغربية ورافعتها الكبرى أي المركزية الذاتية أو الأنوية. وكانت حقبة الاستقلالات ونزع الاستعمار قد شهدت حركة أفكار نقدية جريئة طاولت تقريباً كل شيء. هذه الحركة هي ما يشهد تراجعاً منذ ثمانينات القرن الماضي.

لا نبالغ إذا قلنا إن الانتصار الإسرائيلي أفصح عن غلبة الخيار الاستعماري والاستيطاني المستند إلى نزعة التفوق والمركزية الأنوية على أي خيار آخر. وبذلك يتثبت الاعتقاد بأن المسألة الفلسطينية لا تقاس أهميتها بعدد الضحايا وبحصول نزوح قسري، بل في كونها عقدة التاريخ السياسي والحقوقي المعاصر وأبرز محك لاختبار القيم والمبادئ الناظمة مفاهيم الحداثة والديموقراطية وحقوق الإنسان ولفكرة العدل وموقعها في العلاقات الدولية واستراتيجيات السيطرة. لا يمكن الفصل إذاً بين نكبة الفلسطينيين وهزيمة العرب وبين القضم الإسرائيلي المدعوم غربياً لمساحات التقدم والاستقلال في العالم العربي. حصل ذلك في السابق، تحديداً في التجربة الناصرية وسعيها إلى التنمية والاستقلال الوطنيين. العدوان الثلاثي على مصر لم يكن زلة قدم ولا سقطة عقلاء، بل الترجمة المحمومة لخيار سياسي بعينه. ها نحن اليوم نواجه الخيار نفسه وإن في قوالب مختلفة.

ليس صعباً أن نعثر على وجوه ارتباط بين الذكرى السبعين للنكبة والتطورات الخطيرة التي نشهدها حالياً والمتعلقة خصوصاً بالتصعيد الإسرائيلي - الأميركي لإلغاء الصيغة التي رسا عليها الاتفاق النووي الإيراني. التطورات خطيرة لأنها تنذر بوقوع حرب مجهولة النتائج ويصعب حصرها وترسيم نطاقها في المنطقة. الاستعراض الإعلامي الذي قدمه نتانياهو هو ضرب من الفجور. فالهدف ليس الإقناع بل التوريط.