الأحزاب العراقية إذ تغادر الطائفية ... إلى المجهول

حميد الكفائي |

قد تكون الانتخابات العراقية المقررة بعد أيام، الأخطر والأكثر غموضاً حتى الآن، لكن نتائجها سوف تحسم، على الأرجح، مسار العراق المقبل وهل سيكون دولة ديموقراطية حقيقية، منسجمة مع شعبها والعالم، أم دولة ضعيفة تتأثر بسياسات الدول الأخرى وغير قادرة على رسم سياسة وطنية تخدم مصالحها.


وتأتي خطورة الانتخابات من الأحداث الجسام التي شهدها العراق خلال السنوات الأربع الماضية والتي استنزفته مالياً وعسكرياً وسياسياً وبشرياً، وساهمت في دفع قوى سياسية معينة إلى الصدارة، لكنها في الوقت نفسه حفزت الجماعات السياسية على مغادرة التحالفات المبنية على أسس طائفية ومناطقية عشوائية، لكنها لم تجد بديلاً عن خطابها الطائفي السابق، فما زالت البرامج الانتخابية غائبة كلياً، بينما أصيب الخطاب السياسي بالهزال والخواء.

غياب التحالفات طائفية، لا يعني أن القوم تحولوا إلى لبراليين أمميين، لكن لأن تلك التحالفات استنزفت فائدتها السياسية وأصبحت مضارها أكثر من منافعها بسبب تزايد وعي الناخبين المبني على تجارب السنوات الثلاث عشرة الماضية، وكذلك بسبب إدراك السياسيين بأن التحالفات الطائفية ليست حقيقية، فالمتحالفون انتخابياً يطعنون حلفائهم في اليوم التالي للانتخابات. وكان ذلك واضحاً في انتخابات 2010 عندما تفرقت مكونات «الائتلاف الوطني» إلى جماعات متناحرة متنازعة على السلطة، ولم تتفق إلا بعد تعرضها لضغوط أميركية وإيرانية استمرت تسعة أشهر، قادت في النهاية إلى تشكيل حكومة الأربعة وأربعين وزيراً التي كانت وبالاً على العراق والمنطقة.

أما بعد انتخابات 2014 فقد امتلكت تلك المكونات الجرأة، مدعومة بموقف المرجعية الدينية، لتتخلى عن نوري المالكي كمرشح لرئاسة الوزراء مختارة حيدر العبادي بديلاً عنه كونه يتمتع بمقبولية وطنية ودولية.

لكن العبادي واجه تحديات جمة كان أولها مواجهة الجماعات الإرهابية المسيطرة على ثلث البلاد، وثانيها الانقسام الطائفي والقومي الخطير الذي كاد أن يفتت العراق كدولة حديثة، وثالثها خواء الخزينة وتراجع عائدات العراق النفطية. لقد ارتقى العبادي إلى مستوى التحديات، فأدار المواجهة بنجاح مستعيناً بالدعم الدولي والإقليمي والشعبي العراقي الذي توفر له دون غيره من السابقين، وحقق النصر على الجماعات الإرهابية، ولكن بكلفة بشرية ومادية هائلة، وأفشل المشروع الانفصالي في كردستان، مستعيدا كركوك إلى الإدارة الاتحادية.

وعلى رغم أن العبادي ينتمي إلى حزب أيديولوجي إسلامي، لكنه أبدى مرونة سياسية عالية، وكانت سياساته أقرب إلى الواقعية والبراغماتية منها إلى الأيديولوجية والطوباوية، مبرهنا على أنه مستعد للعمل ضمن حدود الممكن. لم يسعَ العبادي لتقريب أنصاره أو أقاربه وأعضاء حزبه، كما فعل أسلافه، بل انتهج سياسة وطنية، محاولاً إصلاح ما أفسدته الإدارات السابقة.

وقد جلبت سياسات العبادي التصالحية الهادئة التماسك الوطني للعراق الذي أضعفته سياسات سلفه المتشددة وغير المدروسة، فنال ثقة معظم الأطراف السياسية والمجتمعية والدولية. كما حققت سياساته نجاحاً اقتصادياً في وقت تدنت فيه أسعار النفط إلى النصف، فتمكن من إدارة الاقتصاد ومضاعفة الإنتاج، ما عوض عن انخفاض الأسعار.

لكن هناك حدوداً للسياسات التوفيقية التي اضطر لها العبادي في المرحلة الماضية، وسيكون لزاماً عليه أن ينهج نهجاً أكثر وضوحاً في المرحلة المقبلة، ويتخذ مواقف صعبة ومصيرية. الانقسام الحالي في حزب الدعوة غير قابل للاستمرار، وعلى رغم أن معظم أعضاء الحزب يقفون مع العبادي ويفضلونه زعيماً، إلا أن خصومه ما زالوا أقوياء ما يحتم عليه أن يصارح الحزب بأن التشرذم الحالي يجب أن ينتهي، وعلى الخصوم أن ينسجموا أو يسلكوا طريقاً آخر.

كذلك فإن تحالفه السابق مع جماعات الحكيم واليعقوبي والجعفري والشهرستاني والخزاعي لم يُبنَ على أسس صحيحة بل كان وقتياً هدفه توفير الدعم البرلماني المطلوب لحكومته. لذلك فإن التحالف مع هؤلاء مستقبلاً لن يكون مجدياً، فالتجارب الماضية برهنت على أن هذه الجماعات، خصوصاً (الحكمة)، تسعى للتمدد غير المشروع على حساب الآخرين وهي لا تلتزم بعهود أو مواثيق، بل تقول شيئاً وتفعل نقيضه، وقد سعت إلى إضعاف حزب الدعوة وحكومة العبادي تحديداً، وإقصاء أعضائه وأنصاره من كل المواقع التي تولت إدارتها وأبدلتهم بأتباعها، بينما التزم العبادي الصمت تجاهها.

اتضحت خطط العبادي المستقبلية في تحالفاته الانتخابية، فقد رفض التحالف مع جماعات العامري والحكيم والخزاعي واليعقوبي، وهم حلفاؤه في الحكومة الحالية، بل رفض التحالف حتى مع نوري المالكي، الأمين العام (رسمياً) لحزب الدعوة، وآثر الترشح منفرداً بكتلة سياسية جديدة (النصر) آملاً ألا تلحقه أي من مثالب وأخطاء تلك الجماعات التي يبدو أنها في طريقها إلى التلاشي في المرحلة المقبلة، باستثناء جماعة العامري التي تتلقى دعماً إيرانياً.

لكن العبادي تحالف في الوقت نفسه مع جماعات ضعيفة كجماعة المؤتمر الوطني المنقرضة التي ستعود إلى الحياة بفضله، والتي لا يمكن التعويل على دعمها له فهي لم تثبُت على نهج واضح منذ تأسيسها، ولن يكون العبادي استثناء لتقلباتها. كما إن جماعتي الجعفري والشهرستاني ضعيفتان ومتهرئتان وكانتا قد دخلتا الساحة السياسية في ظروف قلقة وغامضة ولا يمكنهما الاستمرار طويلاً.

التحدي الأكبر للعبادي هو احتمال عزوف الكثير من الناخبين عن التصويت، وهذه مشكلة كبيرة تواجهها كل الكتل المعتدلة سياسياً. الناخبون الملتزمون بأحزابهم سوف يصوتون بقوة، لكن المعتدلين والمترددين قد لا يكترثون للمشاركة وقد لا يُقبِلون بكثافة على التصويت. لذلك فإن المطلوب عاجلاً هو حث المترددين والمشككين بجدوى الانتخابات، عبر خطابات وبيانات وإعلانات من شخصيات دينية ووطنية مؤثرة، على التصويت لأن عدمه سيأتي بالمتطرفين والفاسدين إلى البرلمان والسلطة.

من المتوقع أن يحصل تحالف (النصر) الذي يقوده العبادي على أكثر المقاعد مقارنة بالكتل السياسية الأخرى، لكنه لن يحصل على الغالبية التي تمكِّنه من تشكيل الحكومة. وتكمن الخطورة بالنسبة للعبادي في تحالف القوى المناهضة له، الشيعية والكردية والسنية، بعد الانتخابات مُشكِّلةً الكتلة الأكبر، مستعينةً بفتوى المحكمة الاتحادية لعام 2010، التي أصدرتها بضغط من المالكي إذ مكنته (دستورياً) من تشكيل حكومة الأربعة وأربعين وزيراً الفاشلة. لذلك فإن العبادي سيحتاج إلى التحالف مع كتلتي (سائرون) بزعامة مقتدى الصدر و (الوطنية) بزعامة أياد علاوي، بالإضافة إلى الكتل الكردية المعتدلة كي يتمكن من تشكيل الحكومة المقبلة.

* كاتب عراقي