عن ارتفاع منسوب الورع

موسى برهومة |

يرتفع، كلّ عام، مع اقتراب شهر رمضان المبارك، منسوبُ الورع عند المسلمين، فيأخذون بالاستعداد النفسي لاستقبال شهر الصيام، ويروحون يرسلون، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، الصور والأدعية والأقوال الدينية الشائعة التي ترحّب بشهر رمضان، وتبيّن فضائله. وثمة من يحثّ على أنّ من ينشر الرسالة النصية التي تشتمل على هذه المضامين، سيتكاثر ثوابه، وتتنامى حسناته، ويحجز مقعداً وثيراً في الخلود.


حسناً. ولكنّ شهر الصيام، في معانيه الرمزية ودلالاته، ينأى من الزخرفة الشكلية في التحضير لرمضان، وهو ما يتبدى ببلاغة في المولات والأسواق بسائر بضائعها، فتكثر التنزيلات التي أضحت تشمل أيضاً قروض البنوك، والسيارات والأثاث والعقارات والأدوات الكهربائية، وسوى ذلك مما لا صلة وثيقة له بشهر الصوم.

وفي غمرة هذا التسابق المحموم على الشراء، الذي يبلغ ذروته من المواد الغذائية، مع بداية رمضان، فإنّ الشهر المبارك يصبح طقساً للطعام والشراب، والسهر بعد الإفطار في المقاهي، وفي متابعة المسلسلات، حتى مطلع الفجر، ومن ثم الذهاب المتأخر عن الدوام، والتثاؤب المستمر، والكسل الذي يعقبه التراخي عن أداء العمل، وهو ما يتضاعف بعد فترة الظهيرة، حيث تأخذ المعدة في الأنين، وينهدّ الجسد برمته.

ولا جديد في إعادة التذكير بأنّ منسوب الأداء العام في العمل في العالم العربي والإسلامي ينخفض بنسبة كبيرة في رمضان، في حين تتضاعف مصاريف الأسر، وتزداد أوزان الصائمين الذين يأخذ الطعام والشراب النصيب الأكبر من تفكيرهم.

هاهنا، يبدو الورع أمراً شكلانياً يتصل بالإقلاع عن بعض الممارسات، والامتناع عنها خلال شهر واحد في السنة، يقال إن الذنوب كلها تغتفر خلاله، ما يعني تجديد المعاصي بعد انقضائه، في فهم سقيم لمضامين الخطاب الديني، الذي رأى في الصيام شهراً لتدريب النفس على الإيثار والصبر، والتعاطف مع آلام البشر، والتضامن معهم، ومساعدتهم على العيش الكريم، وهنا يكمن جوهر الفهم الإيماني لرمزية الصوم.

فقبل أن نسأل عن حاجيات المنزل المطلوبة للطعام والشراب، يتعين السؤال عن حصة الآخرين غير المقتدرين من ميزانيتنا. هل هناك خطة لاقتطاع نسبة من مصاريف الأكل والسهر لإنفاقها على الفقراء والمحتاجين، ضمن برنامج تتولاه الدولة أو الجمعيات الخيرية، ومؤسسات المجتمع المدني، أو المبادرات الذاتية؟

الشهر الفضيل يصبح شهراً ينتظره بشغف كل فقراء مسلمين، حين يتعدى طقسيته الاستهلاكية، ويذهب إلى أعمق المعاني فيه، وهو الإيثار، أي أن يفضّل الإنسان أخاه وجاره المحتاج على نفسه، وأن يدفع باتجاه جعل هذا الشهر مناسبة لإعالة الفقراء بما يكفيهم غائلة الفقر والحاجة طوال العام، وهذا أمر ليس بمتعسّر.

وهنا يبرز الدور الأساسي والمحوري لمؤسسة الإفتاء التي عليها أن تخرج من العباءة الحصرية للتحليل والتحريم، وتذهب نحو تكريس مفهوم للإخاء يتعدى الرطانة اللغوية، وينسحب إلى الأغوار الاجتماعية التي يقبع في قيعانها فقراء فقراً مدقعاً يتجاوز عددهم، وفق تقرير للأمم المتحدة، صدر أواخر العام الماضي، 38.2 مليون نسمة، بما يمثل 13.4 في المائة من السكان.

وقدّر «التقرير العربي حول الفقر المتعدد الأبعاد»، الذي شمل عشرة بلدان، أنّ نسبة الفقراء بلغت 40.6 في المائة من السكان بعدد 116.1 مليون نسمة. وشملت البلدان التي غطتها الدراسة، مصر وتونس والمغرب والجزائر والأردن والسودان وموريتانيا وجزر القمر والعراق واليمن.

في شهر رمضان تنفق الأسر في العالم العربي ثلاثة أضعاف ما تنفقه في شهور السنة الأخرى، فلو أنّها اقتطعت مصاريف شهر من هذه الشهور، وخصصتها للفقراء، فإنّ نصف الذين لا يجدون قوت يومهم، سيكونون سعداء. ولو أنّ دوائر الإفتاء تعلم ما يفعله الفقر بالناس، لاعتزلت الكلام المكرور، وتفرّغت لمداواة الأفواه الجائعة، وتمكينها من العيش الكريم، وهنا، فقط، يتجسد الورع في أبلغ تعابيره.

* كاتب وأكاديمي أردني