المعلوماتية الأميركية تنظر إيجاباً إلى صعود «العملاق الصيني»

أحمد مغربي |

قبل أيام، شهد «وادي السيليكون» اجتماعاً تقنياً- سياسيّاً بدا مغايراً لما تسير عليه الأمور في المؤسسة السياسية الأميركية التي تقف إدارة الرئيس دونالد ترامب على رأسها. وفي وقت تخوض واشنطن ما يشبه الحركة الافتتاحية في سمفونية حرب تجارية واسعة، تداعى خبراء الشركات الأميركية العملاقة في المعلوماتية والاتصالات المتطورة، لعقد اجتماع غايته محاولة النأي بتلك الصناعة التكنولوجية (وهي في قلب الاقتصاد العالمي) عن حرب تتوالى نذرها في التوتر المتصاعد بين واشنطن وبكين.


تولت «مجموعة الـ100» الدعوة إلى ذلك الاجتماع الذي كان واضحاً أن هدفه هو تجنب نشوب حرب أميركية- صينية على جبهات العوالم الافتراضية ومبتكرات الذكاء الاصطناعي. وتمثل «مجموعة الـ100» تجمعاً لخبراء الاستراتيجيات التقنية في شركات «وادي السيليكون» الأميركي.

وعلى عكس العناوين التي باتت تغرق كثيراً من وسائل الاعلام الأميركي، شددت لي فاي- فاي، خبيرة تقنيات «حوسبة السحاب» في شركة «غوغل» العملاقة، على أن تشييد الجدران في عوالم العلوم والتكنولوجيا، أمر مدمر لابتكار. وتحدت أن تكون دولة بعينها تستطيع إدعاء السيطرة على العلوم المتطورة، خصوصاً تلك المتصلة بالمعلوماتية والاتصالات كفيزياء الذرات.

ولخَّص استنتاجات الاجتماع السياسي الأميركي المخضرم كاس فريمان الذي يتعامل مع البعد التكنولوجي في العلاقات الأميركية- الصينية منذ الزيارة التاريخية للرئيس ريتشارد نيكسون للصين في مطالع السبعينات من القرن الماضي. وبعد أن ذكّر فريمان بأن أميركا حفزت النمو الصيني في التقنيات الالكترونية والرقمية منذ عقود، أشار إلى أن الصين صارت عملاقاً في المعلوماتية والذكاء الاصطناعي (وكذلك التطبيقات والأجهزة المتصلة بهما)، ما يعني أنه بات عبثاً السعي إلى تقزيمها، أو شن حرب على قوتها في تلك الحقول.

وكذلك شدّد فريمان على أن من مصلحة الولايات المتحدة البحث على سبل للتأقلم والتعايش مع «العملاق الصيني»، وصولاً إلى الاستفادة منه. وأشار إلى أن شركات «وادي السيليكون» الأميركية الكبرى تملك علاقات تقنية واقتصادية فائقة التشابك والمتانة مع الصين، ولا تستطيع الاستغناء عنها، بل أن الحرب التقنية التي يشحذ ترامب سيوفها، تضرب تلك الشركات بأكثر مما تلحق الضرر ببكين.

صراع عملاقة

في ذلك الاجتماع، ختم كاس فريمان (سبق له العمل سفيراً لأميركا في السعودية في أواخر القرن العشرين)، قراءته للموقف بعبارة مكثفة «أميركا هي عملاق عالمي وستبقى كذلك، أما الصين فهي عملاق صاعد إلى جانبها، ولا مرد لوقف ذلك».

هل كان ذلك الاجتماع الذي ناقش طويلاً «مبادرة درب وحزام» والأموال التريليونية المرصودة له، دليلاً آخر على قوة «النموذج الصيني»؟

لم يمض زمن طويل على تناقل الإعلام العام العالمي مقولة «النموذج الصيني»، في سياق الإشادة بقوته وفرادة تجربته، مع أسئلة مقلقة عن علاقته بالديموقراطية والحرية، وكذلك الحال بالنسبة إلى قابلية الاستفادة منه خارج الصين.

وطري في الذاكرة أنه عام 2015، اهتزّت أسهم البورصة في الصين وتبدّل سعر الـ «يوان» (العملة الصينيّة)، فارتعدت فرائص الأسواق والبورصات والعملات والنفط وأسعار الذهب. ولآجال طويلة، درج القول إن الولايات المتحدّة هي «قاطرة اقتصاد العالم»، فإذا اهتزّ اقتصادها، ارتعدت فرائص اقتصادات الدول كلّها، وعانت شعوب الأرض بأكملها. والأرجح أنّ البرهان الأقرب على كون اقتصاد أميركا القاطرة التي تجر اقتصاد العالم، كان الأزمة الاقتصادية التي استهلت في 2008 والتي لم يشف الاقتصاد العالمي تماماً من تأثيراتها المتشابكة.

إذاً، هل باتت الصين هي «القاطرة الثانيّة» لاقتصادات الكرة الأرضيّة؟ الأرجح أن ذلك ما برهنته أزمة أسهم الصين وعملتها عام 2015. واستطراداً، الأرجح أن يطول الحديث حاضراً عن «النموذج الصيني» ومدى نجاحه أو إخفاقه في تلك الأزمة، وكذلك الحال بالنسبة إلى دلالة حدوث تلك «الأزمة الصينيّة» التي تتشابه مع الأزمات المتكرّرة التي تشهدها الدول الصناعية الكبرى الراسخة القدم في نظام رأسمال السوق وقواه.

هل يوجد فعليّاً «نموذج صيني»؟ ماذا عن العلاقة بين الأبعاد السياسيّة والاجتماعيّة والثقافيّة في «النموذج الصيني» من جهة، ومساراته ونجاحاته واخفاقاته ومآلاته من الجهة الثانيّة؟

تجربة من قلب التجارة الإلكترونيّة

الأرجح أن ما سبق مجرد نموذج عن أسئلة تثيرها الصين المعاصرة. ويتبادر إلى الذهن سريعاً أن الصين واقتصادها، يملكان أبعاداً متشعبّة مع ثورة المعلوماتية والاتصالات المتطوّرة. ولعل النموذج الأبرز عن ذلك الأمر هو موقع «علي بابا» Ali Baba للتجارة الإلكترونيّة («إي كومِرس») الذي يحتلّ الموقع الأول في ذلك النوع من المواقع، إضافة إلى كونه أحد أضخم المؤسّسات في الاقتصادين الرقمي والتقليدي.

وفي أحد المناحي التي تميّز الصورة الرقميّة للصين، تبدو شبكات التواصل الاجتماعي («سوشال ميديا») في بلاد «العم ماو»، ما زالت «مستقلة» عن بقيّة الشبكات عالميّاً.

ويشبه ذلك أيضاً القول بأن محركات البحث الصينيّة (التي يهيمن عليها محرّك «بايدو» الشهير)، «مستقلة» عن محرّكات البحث عالميّاً. وبديهي القول استطراداً، إن هناك من يرى في تلك «الاستقلاليّة» عزلة خانقة خلف «سور الصين الرقمي» للرقابة الصارمة للحزب الشيوعي الصيني الذي ما زال ممسكاً بالسلطة والنظام والدولة فيها.

وقبل سنوات، حاول محرك البحث «غوغل» أن يخترق ذلك «السور»، وساندته وزيرة الخارجية آنذاك هيلاري كلينتون ولجان في الكونغرس والبنتاغون. وربط الكونغرس والبنتاغون بين السماح لـ «غوغل» بالعمل بحريّة في الصين، وبين علاقات البلدين في التجارة والسياسة. لم يجد ذلك نفعاً. وانتهت تلك المحاولة إلى فشل ذريع، بل أن الحكومة الصينيّة لم تخف أبداً أنها تتمسك بفرض رقابتها على الانترنت، وقدّمت لذلك ذرائع لا يتسع المجال أمام عرضها ونقاشها.

ما يحصل خلف سور رقمي سميك

في سياق القبضة الثقيلة للسلطات القمعية على شبكات التواصل الاجتماعي، تهيمن شركة «تنسنت» Tencent التي يعتقد أنها مجرد واجهة للحكومة الصينيّة، على شبكات الـ «سوشال ميديا» عبر موقعها «كيوزون» Qzone المخصّص للتواصل الاجتماعي.

وتضم شبكة «كيوزون» قرابة 640 مليون حساب نشط، وهي الأولى للتواصل بين الناطقين باللغة الصينيّة أيضاً. وإذا كانت شبكات الإعلام الاجتماعي تعني للجمهور العالمي، مواقع كـ «فايسبوك» و «تويتر» و «يوتيوب» و «إنستاغرام»، فإنها بالنسبة الى بلاد العم ماو، لا تعني سوى كلمة واحدة: «كوزون»! الأرجح أن ذلك مظهر مكثّف آخر لمعنى العيش المنغلق خلف «سور» رقمي عظيم، بل ربما يفوق «سور الصين العظيم» بما لا يقاس.

ووصل عدد سكان جمهوريّة الصين الشعبيّة إلى 1.4 بليون، يعيش قرابة 65% منهم في مناطق حضريّة. ويستخدم 642 مليون شخص الانترنت من داخل الصين، ما يساوي انتشاراً لتلك الشبكة مقداره 47%، وتستحوذ شبكات الـ «سوشيال ميديا» على معظم ذلك الجمهور (قرابة 630 مليوناً)، ما يمثّل قرابة 46% من السكان.

وإذ تضمّ الصين 1.3 بليون مستخدم مستقل للخليوي، ما يساوي 93% من السكان، وهي إحدى أعلى النسب عالميّاً، فإن عدد الحسابات النشطة على الـ «موبايل سوشيال ميديا» يزيد على 520 مليوناً، ما يعني انتشاراً بين السكان بقرابة 40%، ما يقترب من المعدل العالمي (38%). وفي منحى متّصل، يظهر فارق كبير بين أعداد من يصلون إلى الانترنت عبر الخطوط الأرضيّة الثابتة (75%) وبين من يتّصلون بها عبر الأجهزة اللاسلكيّة (25%). ويبعد ذلك قليلاً عن المعدل العالمي للاتصال بالانترنت عبر الأجهزة اللاسلكيّة (38%).

«ثغرة» اللاسلكي!

في المقابل، تنقلب تلك الصورة إلى عكسها تماماً في استخدام «موبايل سوشيال ميديا». إذ سجّل قرابة 550 مليون حساب نشط على «موبايل سوشيال ميديا»، من أصل قرابة 630 مليون مستخدم لشبكات الإعلام الاجتماعي عموماً. ويعني ذلك ببساطة، أن صورة «سوشيال ميديا» مرتبطة بشكل وثيق بالأجهزة اللاسلكيّة النقّالة، وليس بالكومبيوتر المكتبي ولا المحمول.

في ذلك المعنى، يبدو أن ظاهرة التدوين الإلكتروني («بلوغز»)، تراجعت بشكل قوي في بلاد العم ماو. ويتّفق ذلك مع الحرب الطاحنة التي شنّتها الحكومة الصينيّة على المُدوّنات الإلكترونيّة وأصحابها الذين يقبع جزء منهم في السجن، فيما نجحت فئة قليلة منهم في مغادرة البلاد إلى الدول الغربيّة.

وتصل المدّة التي يقضيها الصيني على شبكات الـ «موبايل سوشيال ميديا» Mobile Social Media إلى قرابة ساعتين وأربعين دقيقة، بالمقارنة بقرابة 4 ساعات من اتصال الفرد الصيني بالانترنت عبر الأجهزة كافة. ويلاحظ زمن التواصل الاجتماعي للفرد الصيني عبر الأجهزة كافة، سواء متنقّلة أم ثابتة، يصل إلى ساعة و45 دقيقة، ما يعني أن مستعملي الأجهزة المتنقّلة (خليوي، «تابلت»...)، يقضون وقتاً أطول على شبكات التواصل، وهو ما ينسجم مع الصورة العامة للـ «موبايل سوشيال ميديا». وعلى سبيل المقارنة، لا يقضي الفرد الصيني سوى قرابة ساعة ونصف يوميّاً في مشاهدة التلفزيون! هل تتدخل السياسة والرقابة الحكوميّة الصارمة في ذلك الرقم، بمعنى انصراف الناس عما ربما يعتقدون أنه يُدار من قِبَل السلطة المركزيّة للحزب الشيوعي الصيني؟ لماذا لا تحول الرقابة الحكوميّة الصارمة دون استخدام الصينيين الانترنت على نطاق واسع؟ تبدو الأسئلة كثيرة عن ذلك الأمر.