بين بريطانيا والمهاجرين علاقة معقّدة ... ومقلقة

لندن - منال لطفي |

ينطلق صوت آفتاب بلا تردد مثل كرة مندفعة نحو منحدر لا يعوقها شيء. يوجّه سهام غضبه نحو بريطانيا، بلده التي يحمل جواز سفرها، من دون أن يحمل الرضا الكامل عنها.


ولا يتردد آفتاب في رواية ما ضايقه، ويضايقه في بريطانيا. ويزيد حنقة أزمة «جيل اندفاع الرياح» (ويندرش) التي أطاحت بوزيرة الداخلية البريطانية آمبر راد، التي كانت أحدى أقوى المرشحين لخلافة رئيسة الوزراء تيريزا ماي.

ففي رأيه «الأزمة تكشف الوجه المنفعي الخالص لعلاقة بريطانيا مع مهاجريها».

لقد فتحت أزمة «جيل ويندرش» (نسبة إلى اسم السفينة التي حملت أول دفعة للمهاجرين إلى الأراضي البريطانية) جراحاً عميقة لدى كثر من البريطانيين من أصول كاريبية وأفريقية وآسيوية. وتتعلّق الأزمة بالآلاف من مواطني الكاريبي وأفريقيا الذين هاجروا إلى بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية في شكل قانوني، وبدعوة من السلطات البريطانية بموجب قانون «حرية التنقّل داخل اتحاد الكومنولث»، الذي يضم المستعمرات البريطانية السابقة.

وصل كثر من هؤلاء إلى بريطانيا في سن صغيرة مستخدمين وثائق سفر والديهم. ولم يغادر غالبية هؤلاء بريطانيا منذ القدوم إليها، ولم يسعوا بالتالي للحصول على جواز سفر بريطاني. أما الوثائق التي سجلت قدومهم منذ خمسينات القرن الـ20 وحتى سبعيناته فلم تحتفظ بها وزارة الداخلية.

لقد بدأت معاناة هؤلاء خلال الأعوام الستة التي أمضتها رئيسة الوزراء الحالية تيريزا ماي على رأس وزارة الداخلية (2010- 2016). فقد كانت المهمة الأولى التي ألقاها رئيس الوزراء السابق ديفيد كامرون على عاتقها هي تقليص أعداد المهاجرين.

وفي سعيها نحو هذا، انتهجت سياسة منظمة لطرد المهاجرين غير الشرعيين أو الذين لا يملكون أوراقاً تثبت وجودهم في شكل قانوني في بريطانيا. ومنذ انتهاج تلك السياسات وحتى اليوم، رحّل عدة آلاف (العدد الحقيقي غير معلوم بعد) من البريطانيين من أصول كاريبية وأفريقية بسبب عدم وجود أوراق تثبت أنهم بريطانيون.

ومن لم يُرحل إلى بلده الأم، طُرد من عمله ومُنع من استخدام نظام الرعاية الصحية وغير ذلك من مزايا المواطنة، إلى حين التحقق من قانونية أوضاعه.

قصص كثيرة حول الطريقة التي عُومل بها هؤلاء أثارت الهلع في بريطانيا. مثل الجدة التي عملت طوال حياتها في التمريض، وضرائبها ومدخراتها ومعاشها كلها في بريطانيا، ووجدت نفسها فجأة في مركز للمهاجرين على وشك الترحيل إلى جامايكا التي لم تزرها منذ قدمت إليها طفلة، تاركة خلفها ابنتها وحفيدتها. أو الرجل السبعيني الذي يعاني من السرطان وأوقف علاجه في المستشفى الحكومي حتى استكمال أوراقه الثبوتية. أو المدرّس الستيني الذي طُرد من عمله في المدرسة التي خدم فيها أكثر من 20 عاماً بسبب تشديد الإجراءات على المهاجرين غير الشرعيين، ما يعرّض المدرسة إلى غرامة 10 آلاف جنيه استرليني بسبب توظفيها له لأنه لا يملك أوراقاً تثبت أنه بريطاني.

وأعادت هذه الروايات وغيرها إلى الواجهة مشاعر معقّدة مركّبة بين بريطانيا ومهاجريها. ويقول آفتاب لـ «الحياة»: «لم تفاجئني هذه القصص تماماً. نحن البريطانيين من أصول كاريبية أو آسيوية أو أفريقية عانينا كثيراً. عندما أتى أبي في خمسينات القرن الماضي كانت بريطانيا تعاني بعد الحرب. هذا الجيل الأول من المهاجرين هو الذي بنى بريطانيا من حطام الحرب العالمية الثانية. ومع ذلك وعلى رغم كل ما قدّمه لهذا البلد ظل أفراده طوال حياتهم يشعرون أنهم مواطنون من الدرجة الثانية. كانت هناك وظائف محددة للمهاجرين من دول الكومنولث. وظائف لن يشغلها البريطانيون، لكنها كانت ضرورية ونحن من قام بها. لقد ساهمنا في بناء بريطانيا وتحويلها إلى البلد التي هي عليه اليوم. لكن التمييز وعدم الترحاب بالمهاجرين والهجرة ظل شبح يخيّم علينا».

ويوضح آفتاب إن عوامل عدة لعبت دوراً في اجتذاب مواطني دول الكومنولث للهجرة إلى بريطانيا، في مقدّمها حملة الإعلانات البريطانية لتشــجيعهم على المجيء. فبعضهم جاء للعمل أساساً مثل والد آفتاب (جاء من إقليم البنجاب)، وذلك قبل أن يقرر الاستقرار ويطلب من زوجته الحضور للإقامة معه. وبعضهم أراد العودة إلى الجيش البريطاني الذي خدم فيه خلال الحرب العالمية الثانية. وبعضهم الآخر كان يحمل مشاعر ولاء لبريطانيا ولديه أفكار وردية عن الإمبراطورية التي لا تغرب عنها الشمس. لكن الواقع كان أقل وردية.

ويتذكر آفتاب، الذي ولد في بريطانيا في نهاية خمسينات القرن الماضي، أن المنازل كانت ضيقة جداً وكثير منها متآكل ومتضعضع وبائس الحال. ولم تكن الشوارع أفضل حالاً. لكن المهاجرين ظلوا يتوافدون. فعلى رغم كل شيء كانت بريطانيا أفضل من الهند وباكستان وبنغلادش وجامايكا وكينيا وغيرها من المستعمرات السابقة.

جذور اليمين القومي

ومع زيادة الهجرة زاد التوتر العرقي. واندلعت أعمال شغب بتشجيع من الجماعات اليمينية المعادية للمهاجرين. وبدأت في ليفربول في آب (أغسطس) 1948 بسبب التنافس على السكن والوظائف، وانتشرت في الخمسينات إلى برمنغهام ونوتنغهام وغرب لندن. وبلغت ذروتها في نوتينغ هيل في آب 1958 والتي استمرت أسبوعاً كاملاً.

ومع خروج أعمال الشغب عن السيطرة، أقرّ البرلمان في تشرين الثاني (نوفمبر) 1965 قانون «العلاقات العرقية»، الذي يحظّر التمييز العنصري في الأماكن العامة مثل الفنادق والمطاعم والمواصلات. كما يحظّر التمييز على «أساس اللون أو العرق أو الأصل العرقي أو القومي» في أماكن العمل. لكن القانون مع ذلك استثنى المحلات والأعمال والمنازل الخاصة، فقد كان من حق القطاع الخاص منع التوظيف أو التأجير للأقليات العرقية. وبالطبع أثار القانون اعتراضات كبيرة بوصفه ليس قوياً بما يكفي.

ويقول آفتاب إن الغالبية العظمي من المهاجرين الذين حلوا على بريطانيا منذ النصف الثاني من الأربعينات سكنوا في منازل متواضعة وفّرتها السلطات بأسعار إيجار منخفضة، ليس فقط لأنهم كانوا فقراء، بل لأن التأجير في المنازل الخاصة كان أمراً شاقاً جداً. ويوضح: «لا أتذكر في طفولتي في منطقة بريك لاين (شرق لندن) أنني تعاملت مع أطفال بريطانيين بيض كثر. الغالبية العظمى في منطقتنا كانت من البنغال. حتى في المدرسة كانت الغالبية من أصول آسيوية. في الشوارع، كانت الدلائل على أننا في بريطانيا قليلة جداً».

وإجمالاً قدِم حوالى مليون مهاجر غالبيتهم العظمى من دول الكومنولث إلى بريطانيا خلال الخمسينيات والستينيات، وباتوا يشكلون نحو 7 في المئة من السكان.

وربما يحتفظ الذين هم من أصول شبه القارة الهندية بذاكرة أقوى من غيرهم فيما يتعلّق بميراث الامبراطورية وأوضاع أسرهم عندما هاجروا إلى بريطانيا منذ الخمسينات فصاعداً. إذ تربطهم

علاقات وطيدة بالدول التي جاء منها أباؤهم: الهند وباكستان وبنغلاديش وسريلانكا. وجذورهم فيها لا تزال وثيقة.

ويوضح آفتاب: «عندما أزور أعمامي يرون لي ما حكاه لهم أبي عندما جاء يعمل هنا. ساعات العمل الطويلة فقط كي يكفي إطعامنا وإسكاننا في ذلك البيت الصغير جداً في بريك لاين».

وبحلول عام 1971، فاق عدد المهاجرين الـ3 ملايين، منهم 171 ألفاً من أصول جامايكية، و313 ألفاً من أصول هندية، و676 ألفاً من أصول إرلندية، فضلاً عن عشرات الآلاف من الآسيويين الذين كانوا يعملون ويعيشون في أفريقيا، بعدما دعتهم بريطانيا للقدوم للعمل في إدارتها المدنية في بلدان مثل كينيا وأوغندا التي كانت جزءاً من الإمبراطورية البريطانية.

المد العكسي

لكن زيادة أعداد المهاجرين عززت الميل القومي اليميني في بريطانيا. وفي خطاب شهير ألقاه عام 1968، حذّر السياسي المحافظ إينوك باول من «أنهار من الدماء» بسبب التسامح حيال ظاهرة الهجرة والقوانين التي تمنع التمييز ضدهم.

وعلى رغم من إقالة باول من حكومة الظل، شكّل خطابه المعادي للهجرة نقطة مفصلية في علاقة بريطانيا مع المهاجرين وبدأت طريق عكسية. فبدلاً من إعلانات دعوة المهاجرين إلى المجيء لإعمار ما دمرته الحرب، حذّرت إعلانات من هذه الخطوة.

وفي كانون الثاني (يناير) 1972 اتُخذت أولى الخطوات في ذلك النهج عندما أقرّ قانون للحدّ من أعداد المهاجرين من دول الكومنولث، حتى وإن كانت في حوزتهم جوازات سفر بريطانية. ونص القانون على أنه لا يمكن لحاملي هذه الجوازات المولودين في الخارج، الإقامة إلا في بريطانيا إذا كان لديهم تصريح عمل، وأحد الوالدين أو الجدّين مولود في المملكة المتحدة.

وفي تشرين الثاني (نوفمبر) 1976 أسست الحكومة لجنة المساواة العرقية، وهي هيئة قانونية مكلّفة بالتصدي للتمييز العنصري، وذلك بسبب عدم فاعلية قوانين مكافحة التمييز لعامي 1965 و1968.

وكان من مهام اللجنة العمل للقضاء على التمييز العنصري بسبب العرق أو اللون أو الجنسية أو المعتقدات الدينية، وتعزيز تكافؤ الفرص والعلاقات الجيدة بين الجماعات العرقية. لكن على رغم ذلك شكلت الثمانينات عقداً صعباً فيما يتعلق بالعلاقات العرقية في بريطانيا.

ويقول آفتاب: «كانت أوقات عصيبة ومخيفة. أتذكر أسر كانت تخاف على أبنائها من الخروج إلى الشوارع في ساعات الليل. أي شيء كان يمكن أن يحدث. نسي كثر المعاملة العنصرية والعنف ضد المهاجرين، لكنني لم أنس أنني كنت أخاف التحّرك بمفردي في مناطق معينة تحكمها العصابات العنصرية، التي كانت تعتدي على المهاجرين لفظياً وجسدياً».

فقد اندلعت أعمال شغب مريعة في بريكستون في نيسان (أبريل) عام 1981. وجرح حوالى 300 شخص جلّهم من البريطانيين المهاجرين واتُهمت الشرطة باستخدام «اليد الثقيلة» في مواجهتهم.

وبدأت الاضطرابات عندما أطلقت الشرطة عملية لمكافحة الجريمة المتصاعدة، حيث أوقف أكثر من ألف شخص في بريكستون خلال 6 أيام لتفتيشهم عشوائياً. لكن الغالبية العظمى منهم كانوا من البريطانيين من أصول أفريقية، ما أثار مشاعر حنق وغضب عــارم وسطهم واتهامات بالتمييز العنصري.

وتفجّرت أعمال الـــشغب في بريــكستون، وقبلها كانت هناك مواجهات مماثلة في بريستول، ثم انتقلت إلى ليدز وليفربول ومانشستر وبرمنغهام.

ومع أن هذه المواجهات تراجعت في شكل كبير جداً خلال العقدين الماضيين واستقرت العلاقات العرقية، إلا أن مشكلات الجيلين الثاني والثالث من المهاجرين البريطانيين لم تختف. وأزمة «جيل ويندرش» تلقي الضوء على ذلك.

وعلى رغم أن كثراً من أبناء المهاجرين باتوا وزراء ومسؤولين وسياسيين بارزين، مثل وزير الداخلية الجديد ساجد جاويد، ووزيرة التعاون الدولي السابقة برتي باتال، وعمدة لندن صديق خان، ووزيرة الداخلية في حــكومة الظل ديان أبوت، وشـــوكا أمانو وديفيد لامي القياديان في حزب العمال، وأعضاء في مجـــلس اللوردات، ورجال أعمال، ورياضيون نجوم أمثال العداء الأولمبي مو فرح، إلا أن كثراً من أصول آسيوية وأفريقية وكاريبية يعانون من أقل مستويات للدخل وأقل نسبة تعليم عالٍ، فضلاً عن أعلى مستويات للبطالة.

مع «بريكزيت» لدرء «موجات» أوروبا الشرقية

بسبب حاجتها للمهاجرين بعد الحرب العالمية الثانية، فتحت بريطانيا أبوابها لأبناء دول الكومنوليث منذ خمسينات القرن الـ20، وواصلت المدّ خلال عقود لاحقة. ثم مع سقوط الاتحاد السوفياتي وانهيار الجدار الحديد، حلّت الهجرة من بلدان أوروبا الشرقية محل مثيلتها من دول الكومنولث.

وعقدّت الهجرات الأخيرة من أوروبا الشرقية صورة الهجرة والعلاقات بين الأعراق المختلفة في بريطانيا أكثر من ذي قبل. فمع أنه ليس هناك أعمال شغب في الشوارع، إلا أن هناك صوراً ذهنية كثيرة أوجدت مناخاً أدى عملياً إلى تصويت 52 في المئة من البريطانيين للخروج من الاتحاد الأوروبي (بركزيت) في حزيران (يونيو) 2016.

والواقع أنه من دون تصويت غالبية البريطانيين من أصول هندية وباكستانية وبنغالية لمصلحة الـ «بريكزيت»، لما فاز معسكر الخروج.

ويعترف آفتاب بأنه من ضمن الذين صوتوا بالخروج لمنع هجرة مواطني أوروبا الشرقية بالذات. ويوضح: «يجب أن نتذكّر أننا أول من جاء لبناء ذلك البلد بعد الحرب. نحن جئنا في الوقت الصعب وتحملنا الكثير من الفقر والمعاناة ونقص الخدمات. اليوم تأتي هجرات مفتوحة لا نحددها نحن كدولة أو مواطنين (بسبب عضوية بريطانيا في الاتحاد الأوروبي) تأخذ وظائفنا وتسبب ارتفاع أسعار المنازل وتزيد الضغط على برامج الرعاية الاجتماعية والنظام الصحي. أعتقد أنه من الواضح لماذا صوّت بريطانيون كثر من أصول آسيوية ومن الكاريبي لمصلحة البريكزيت. كثر منا يشعرون بأن المهاجرين من أوروبا الشرقية يحصدون ما زرعناه نحن».