استطلاعات في كردستان تربك الناخب وتوقعات بتراجع دور الاقليم

أربيل – باسم فرنسيس |

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية الاتحادية، أثار تباين في نتائج استطلاعات للرأي جدلا حول غياب مؤسسات علمية متخصصة ومستقلة تساهم في الكشف عن مؤشرات واتجاهات السياسات العامة، وسط تحذيرات من استغلال الأحزاب الفراغ القائم للتأثير على الناخب واستقطاب الأصوات عبر مؤسسات خاضعة لأجندات وتوجهات «منحازة».


وفي إقليم كردستان، حيث اشتد الصراع الانتخابي بين القوى السياسية بعد ظهور أحزاب جديدة معارضة، مع توقعات بتراجع محدود للثقل النيابي الكردي بفعل أزمات كان آخرها استعادة بغداد السيطرة على المناطق المتنازع عليها في أعقاب خوض الأكراد استفتاء للانفصال في أيلول الماضي، فإن الأرقام وترجيحات الفوز بدت متضاربة، بين أحزاب السلطة التي تؤكد على احتفاظها بالمرتبة الأولى رغم الادعاءات بتراجع شعبيتها، والمعارضة التي تعول في حصد مكاسب «مؤثرة» على خلفية اخفاقات الحكومة.

وتعددت أساليب الاستطلاع في أخذ العينات بين بعض المراكز والفضائيات ومواقع الكترونية، وسط شكوك في افتقارها إلى الشروط والضوابط والمصداقية، من حيث ميول الجهة المعدة ومصدر التمويل وآلية اختيار العينات والشرائح في المسح.

وعلى صعيد موازين القوى على الساحة السياسية الكردية، فإن نتائج الاستطلاعات كانت متباينة على غرار نظيرتها في باقي المحافظات العراقية، وأظهر استطلاع أجراه «معهد كردستان للاستطلاعات» في اربيل احتفاظ الحزب «الديموقراطي» بالمرتبة بفارق كبير عن أقرب منافسيه حركة «التغيير» ثانيا، و»الاتحاد الوطني» ثالثا، مع احتمال خسارة الأكراد بين (5-7) مقاعد عقب تداعيات ازمة الاستفتاء للانفصال في أيلول الماضي، وكان الفارق أقل في نتائج استبيان نشره «مركز الرافدين للحوار» العراقي.

في حين اشار استطلاع أجراه «مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية» العراقي إلى أن «الديموقراطي» سيفقد مكاسب لمقاطعته الانتخابات في كركوك بذريعة أنها «محتلة» وخسارته لمناطق متنازع عليها في نينوى، سيخدم لوائح تدعمها قوى المعارضة، ولن يتجاوز سقف مقاعد القوى الكردية مجتمعة (57) مقعدا.

وفي مطلع الشهر الجاري، حل «الاتحاد» ثانيا خلف «الديموقراطي» وفق استطلاع أجراه موقع «افكار عراقية» من خلال إجراء مقابلات هاتفية تم اختيارها عشوائيا، شملت جميع المحافظات العراقية من ضمنها الكردية.

في المقابل توقع مركز «البحوث الاستراتيجية الدولي» في واشنطن «سي. إس. آي. إس»، من خلال دراسة ميدانية اجراها في عموم العراق، أن تصل نسبة المشاركة في التصويت على مستوى المحافظات الكردية إلى 60 بالمئة مقابل (55) في بقية المحافظات العراقية، مع خسارة الحزبين الرئيسين التقليديين في الإقليم (11) مقعدا، والمعارضة ستة مقاعد.

وللوقوف على أسباب هذا التباين ومدى صحة النتائج في ظل غياب مراكز علمية متخصصة ومعتمدة، حاورت «الحياة» مدير منظمة «شمس» المستقلة لمراقبة الانتخابات هوكر جتو الذي قلل من صحة النتائج، وقال «أفضل استطلاع هو ما سيعلن من نتائج بعد يوم التصويت ولا غيرها، لأن معظم الجهات أو المؤسسات المشار إليها لا يمكن التعويل عليها».

وأضاف «هناك ثلاث أساليب وطرق لتنظيم استطلاع، أحداها يستخدمها حزب معين للدعاية الانتخابية عبر مؤسسة، حتى أن حزبا لم يكن مقتنعا بعدد المقاعد التي سيحصل عليها وفق أحد الاستطلاعات، والطريقة الثانية تكون شبه موجهة وذلك عبر المحطات الفضائية التي تجري بشكل كبير، فالمشاهد لدى فضائية فلانية يختلف عن نظيره لدى فضائية أخرى، كما أن ناخبي الحزب الفلاني يشاهدون محطتهم دون غيرها من المحطات المقابلة والمختلفة، ما يسفر ذلك الاستطلاع عن تقدم لصالح الحزب الذي يملك تلك المحطة».

ولفت جتو إلى أن «الطريقة الثالثة تتم عبر مؤسسات عريقة تعمل وفق منهج علمي تمتلك القدرات من حيث الإمكانات المادية والفنية، لكن في بلدنا لا لوجود لمثل هذه المؤسسات»، عازيا غياب مؤسسات متخصصة في هذا المجال على غرار الأنظمة الديموقراطية «إلى ثلاث أسباب، منها أن المؤسسات الغربية مثلا لديها خبرات متراكمة عبر سنوات قد تمتد ربما لقرنين من التجربة الديموقراطية، فيما أننا تجربتنا ما زالت بدائية لا تتجاوز 15 عاما».

واضاف :»ثانيا لو اخذنا بريطانيا فإنها لم تكن تملك مثل هذه المؤسسات في بداية تجربتها، بل تشكلت بعد عقود من خلال تراكم الخبرة، ولا ننسى الدور الأكاديمي والجامعات ذات الشأن، التي تأتي للأسف في الهامش، في حين العديد من الاستطلاعات الغربية مثلا تقوم بها تلك الجامعات».

وأشار إلى أن السبب الثالث يعود «الى التمويل المالي لإجراء الاستطلاع، لأن هذه العمليات فيما لو جرت بالشروط العلمية ستتطلب أموالا ضخمة، وتوفير باحثين مستقلين ومختصين لأخذ عينات علمية، ففي الأنظمة المتقدمة نجد أن الأحزاب أو المؤسسات تولي اهتماما خاصا وتعتمد على نتائج الاستطلاعات، بينما لدينا تنفق الأحزاب ملايين الدولارات على الملصقات والحملات الدعائية التي تلحق الضرر بالبيئة حتى، ولا تنظر إلى الانتخابات كمشروع علمي».

وتابع «لا ننسى أن الناخب العراقي لم يخرج من إطار الولاء القومي أو الديني أو العشائري أو الطائفي، وهذا ما يسمى بالناخب البدائي، وعليه فإن الحزب لا ينظر بعين الأهمية إلى الاستطلاعات، لأن رأي عشيرة ما، يضاهي عشرات الاستطلاعات».

ويتفق مع هذا الرأي آرام قادر عضو الهيئة التأسيسية لـ»تحالف الديموقراطية والعدالة» بزعامة برهم صالح، والذي شكك في صحة النتائج، وقال لـ»الحياة» إنه «لا يمكن الاعتماد على هذه الاستطلاعات، سواء على الصعيد السياسي أو العلمي، وللأسف فهي تفتقر إلى الأساليب والأسس العلمية، وسبق لنا تجارب في الانتخابات السابقة، وكانت النتائج غير متقاربة حتى».

واضاف أن «الإقليم يفتقد إلى مركز استطلاع مستقل محترف وفق الأسس العملية ليقوم بحملات استطلاع يمكنها أن تعطي على الأقل توقعات متقاربة إلى ما ستؤدي به النتائج، وهذا يعود إلى طبيعة النظام السياسي القائم، فالأمر لا يقتصر على غياب مركز استطلاع سليم فقط، بل معظم المؤسسات في الإقليم غير سليمة إداريا وأكاديميا، بسبب السيطرة الحزبية المطلقة».

من جهته قال الكاتب والصحافي سامان نوح إن «الجهات التي تنظم استطلاعات الرأي خصوصا في الإقليم كردستان، هي اما مراكز تحليل بيانات سياسية ومؤسسات استشارات انتخابية تابعة مباشرة للأحزاب الكبيرة، او مراكز سياسية تحمل صفة منظمات مجتمع مدني وتتبع الاحزاب السياسية بشكل غير مباشر، هدف الاولى معرفة توجهات الناخبين وميولهم، وكيفية معالجة نقاط الضعف مثلا في الانتخابات بالنسبة للأحزاب واعطاء توصيات لتداركها، وهذه المراكز دراساتها لا تنشر ويتم تناقلها بشكل حصري من قبل بعض كبار مسؤولي تلك الاحزاب».

وأردف «اما النوع الثاني ففي الغالب هي مراكز دعائية ترويجية تعطي ارقام غير دقيقة وتعتمد وسائل غير علمية وغير دقيقة في الاستطلاع، والهدف هو الترويج ومنح مؤشرات للناخبين بان الحزب الفلاني سيتقدم الجميع وهذا امر مؤثر ويشجع الناس العادين المترددين على التصويت لذلك الحزب بدل التصويت لحزب سيخسر، فالناس في مجتمعنا تميل للسلطة اما خوفا او ضمانا لمصالحها او للحصول على امتيازاتها».

وإزاء أسباب غياب مراكز بحثية أكاديمية سياسية واجتماعية متخصصة، يشير نوح إلى أن «هناك استطلاعات نادرة تنفذها منظمات مدنية شبه مستقلة، لكن ضعف امكاناتها وضعف قدراتها على توزيع استطلاعاتها بشكل دقيق ومن خلال متخصصين متدربين بشكل علمي جيد، يجعل بعض نتائجها غير دقيقة، مع حقيقة ان الناخبين في المجتمعات القلقة التي لا تتمتع بسقف جيد من الحريات ولديها تجربة ديمقراطية هشة، لا تعلن توجهاتها الحقيقية في التصويت، وهي تغير قناعاتها سريعا».

وأوضح «في العراق هناك أكثر من استطلاع اجري من قبل مؤسسات مجتمع مدني مستقلة عن الاحزاب، وهي الى حد كبير حيادية لكن كما قلت ان ضعف امكاناتها وتغير قناعات الناخبين السريع، يجعل من النتائج التي تعلنها قد لا تتوافق بدقة مع الواقع».

وانتقد غياب دور الجامعات في الإقليم التي قال انها أصبحت أقرب الى مدارس تلقين، ناهيك عن عدم وجود مجتمع مدني حقيقي، والامر ذاته ينطبق على مراكز استطلاع وتحليل المعلومات، والسبب يعود الى النظام السياسي القائم الذي لا يجد من مصلحته أن يفكر ويحلل احد خارج صندوق القيادات العليا للحزب، لذا نرى ان الجانب البحثي التحليلي في الجامعات مغيب تماما.

اما المجتمع المدني فهو مجرد مؤسسات مملوكة للأحزاب تستفيد منها لاستقطاب بعض شرائح الشارع الى جانب استخدامها كأداة للتجميل والترويج الدعائي داخليا وخارجيا، فمثلما تعمل الاحزاب على تعطيل ولادة اعلام مستقل عبر الدفع بسخاء للإعلام الحزبي، فإنها تعمل على تعطيل ولادة مجتمع مدني حقيقي، وفي ظل غياب السلطتين المذكورتين لا يمكن ان تحقق تغيير ايجابي مؤثر».

وفي ختام حديث لم يستبعد نوح «وجود نشاط لجهات دولية تقوم بتنظيم استطلاعات، وكذلك لحساب احزاب او مؤسسات بحثية او دول اجنبية، ونتائجها عادة ما تكون دقيقة، لكنها تظل غير معلنة وحصرية بالجهات التي طلبت تنفيذها».