التجانس المتجلي في مفاجآت ترامب

حسن منيمنة |

يعتز الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأنه يحتفظ دوماً بعامل المفاجأة، وأنه لا يُفصح عن نواياه، بل يترك لخصومه مهمة التكهن الصعب بما سوف يقدم عليه، ما يرفع قدرته على المناورة ويدفع بالجانب الآخر إلى الانكفاء والاحتياط والتحفظ. ترامب نفسه أشار صراحة إلى هذا التوصيف، والمؤيدون البارزون له، أو الأصح المادحون، هم الذين هذّبوا هذه القراءة لسلوكه، في إطار اجتهادهم وتنافسهم لإغداق ما استطاعوا من إطراء عليه عبر وسائل الإعلام، إذ يمضي ترامب حيّزاً كبيراً من وقته بمتابعتها.


ما هو أقرب إلى الواقع أن ترامب غالباً ما يتصرّف انفعالياً وارتجالياً، من دون اعتبار ممنهج لمصلحته الذاتية، ولا بطبيعة الحال للمصلحة العامة. والنماذج على ذلك واضحة ومتكررة، سواء في الملفات الخاصة التي تعنيه مباشرة، لا سيما تقصي المحقق الخاص لاحتمال تواطؤ في أوساطه مع روسيا، أو في الملفات العامة، حيث كثيراً ما تأتي تصريحاته مناقضة للمسعى المعلن، ما يستدعي هرولة طاقمه إلى الاستدراك والتوضيح والتطويق.

غير أن هذا الميل البارز إلى الخطوات غير المحسوبة لا يعني أن ما ينتج من ترامب هو فعل عشوائي ممتنع عن أي استشفاف لنمط في السلوك، بل أصبح بالإمكان من خلال مراجعة أكثر من عام من القرارات التي اتخذها، تبيّن التجانس في خطوات يراد لها أن تصنّف على أنها مفاجئة.

ترامب، في بداية عهده، سحب الولايات المتحدة من اتفاقية «الشراكة عبر المحيط الهادي» التجارية. قبل هذا الانسحاب، أغدق على هذه الاتفاقية كيلاً متواصلاً من التشنيع، وأسهب في الكلام عن انعدام كفاءة من فاوض وساوم، أي سلفه باراك أوباما، مؤكداً أنه بمقدوره أن يأتي باتفاقية أو اتفاقيات بديلة، تتفوق عليها بأشواط. أما بعد الانسحاب، وبعد مضي الأشهر من دون بروز البديل الموعود، فأصبح مفاد كلام ترامب أنه في حال تم إصلاح ما في الاتفاقية من خلل، من دون تحديد ماهيته، فإنه قد ينظر في عودة الولايات المتحدة إليها.

وكذلك كان حال اتفاقية باريس للتغير المناخي. قبيل سحبه الولايات المتحدة منها وصفها بأنها الأسوأ وأنها اعتداء على مصلحة الاقتصاد والمواطن في بلاده، معلناً أن الخروج منها هو تحرير لقرار أميركا وتأكيد لرفضه الشروط الإملائية (على رغم أن هذه الاتفاقية قائمة على الطوعية) مؤطراً كل النقد بإدانة صافعة لهذا الرئيس السابق (أوباما) المستهتر بالمصلحة الوطنية. وخاب أمل من توقع أن يقتصر جموح الرجل على التنفيس الكلامي، نظراً لغياب المبرر الموضوعي لخروج الولايات المتحدة من الاتفاق، إلا أنه فاجأ الجميع وفعلها. أما بعد الخروج، فالحديث قد تبدّل، والكلام الآن هو أنه في حال رُفعت قيود ما واستُبدلت شروط ما فإن الباب قد يكون مفتوحاً لشكل من أشكال العودة.

والمفاجأة تكررت مع الأمر الرئاسي التنفيذي لتأجيل ترحيل المهاجرين الوافدين غير الموثقين من الذين قدموا إلى الولايات المتحدة وهم أحداث، والمعروف بأمر «داكا». فهذا الأمر الصادر عن أوباما يحظى بتأييد واسع النطاق، حيث الجمهور العريض في البلاد يعتبر أن المستفيدين من «داكا» غير مسؤولين بحكم أعمارهم عند القدوم عن مخالفتهم إجراءات الهجرة، وأن اندماجهم في الحياة والمجتمع متحقق. وما كان من المتوقع من ترامب البتة أن يلغي هذا الأمر من دون ضمان البديل، إلا أنه فعلاً ألغاه، مع الطعن والتشنيع بأوباما لتجاوزه صلاحياته بإصداره. وفيما السلطة القضائية أبقت على سريان القرار بانتظار البت بدستورية الإلغاء، انحسر الحديث حول الأمر وإلغائه وتعليق إلغائه لتستمر الأوضاع على ما كانت عليه، إنما من دون التأطير التنظيمي.

الصورة العكسية تمّت بشأن السعي إلى حظر السفر من دول إسلامية. مع «داكا»، الإجراء كان قائماً والرغبة كانت بإلغائه والنتيجة كانت إبقاءه قيد الدرس، أما في موضوع الحظر فالإجراء لم يكن قائماً والرغبة كانت بتطبيقه فيما النتيجة جاءت بتعليقه قيد الدرس (ثم تعديله وإتاحته). وجاء حال الضمان الصحي المعروف باسم «أوباماكير» ليشابه «داكا» في الحاصل. برنامج متحقق يسعى الرئيس الجديد إلى إبطاله فيفشل، وإن أضرّ به. وفي كافة هذه الحالات، فإن «داكا» وحظر السفر و «أوباماكير»، إفراط في الطعن بأوباما يصاحبه شحّ في التفاصيل حول مواطن الاعتراض ووسائل المعالجة في خطاب ترامب.

وعلى رغم خطورة الملف، فإن تعامل ترامب مع اتفاق تقييد النشاط النووي الإيراني، جاء بِسِمات مشابهة للحالات السابقة. ففي كافة المواقف، بدا وكأنه ساخط عما أقدم عليه سلفه أكثر من غضبه إزاء مضمون الاتفاق، وخلافاً للأعراف فإنه أشبع سلفه هذا ذمّاً. ولكنه كذلك انسحب من الاتفاق مهدداً متوعداً، مستغنياً في كلامه عن الوقائع والقواعد المرعية، من دون تقديم البديل الناجع.

استقراء هذه الحالات يكشف عن تجانس متجلٍ في سلوك ترامب. الخطاب هو خطاب إظهار القوة ورفض استمرار استهزاء العالم بالولايات المتحدة (ويغيب بالكامل عن الرئيس إدراك حداثة سن هذا الاستهزاء وهوية المسؤول عنه). والقناعة المفترضة هي أن المعاكسة والمفاجأة هما تجسيد للقوة. ولكن خلف التأكيد المتواصل بأن الزمان قد فسد وأنه هو القادر على إصلاحه، لا رؤية ولا خطة ولا طرح بديل للإصلاح، بل بعد الاستعراض المفاجئ، انكفاء وجنوح إلى استعادة لأجزاء مما جرى إسقاطه. أما القاسم المشترك بين كافة المواقف السابقة المثيرة للمفاجأة فهي الطعن والطحن بهذا السلف أوباما، والذي شكل بالنسبة لترامب هاجس يقظة ومنام على مدى الأعوام، فذهب بالعلن المشهور، إلى هوس حول مكان ولادته سعياً للطعن بمشروعية انتخابه، وجنح وفق الملف الذي يتبين تدريجياً أنه ليس هراءً إلى موسكو في فعل غريب ليسيء له إساة وهمية سقيمة.

على رغم زعمه التزام المفاجأة إذاً، يبدو ترامب على تجانس يزداد تجلياً في أدائه: هوس بأوباما وإصرار على الطعن به في كل مناسبة وسعي متعنت للقيام بكل ما ينقض أفعاله، واختيار القرار الأكثر إيذاءً للوضع القائم من دون الاستعداد للبديل، والتراجع الخافت المتدرج عن تداعيات القرار، ما يبقي الموقف معلّقاً وقيد المراجعة. في حال انطبق هذا الاستقراء على المواجهة مع إيران، قد لا تكون الحرب محتومة. غير أن الدرس المستفاد من أية متابعة لترامب هو أنه من العبث الاطمئنان إلى أي توقع بشأنه.

الأكثر قراءة في الرأي