«حياتي» للو سالومي: صور إنسانية لمفكرين كبار هاموا بها

ابراهيم العريس |

لو تأمل المرء بعض الشيء، في الصورة الجماعية الملتقطة لمؤتمر عام 1911 الذي عقدته جمعية التحليل النفسي العالمية، في مدينة فايمار، متحلقاً من حول فرويد، للاحظ بين النساء الموجودات في مقدمة الصورة، سيدة في منتهى الجمال ساهمة النظرة تبدو وكأنها خارجة للتو من فيلم أميركي رومانطيقي. في ذلك اليوم كانت السيدة في الخمسين من عمرها، وكان جمالها لا يزال طاغياً إلى درجة منعت الكثيرين من الباحثين من النظر بعين الجدية الى محاولتها تقديم نفسها كباحثة ومحللة نفسية من تلامذة فرويد. فالجمال والعلم لا يجتمعان لدى المرأة، في نظر هؤلاء.


> مهما يكن فإن حضور السيدة، واسمها لو اندرياس - سالومي، ذلك المؤتمر، كان نقطة انعطاف أساسية في حياتها، اذ انها قررت من بعد ذلك ان تتبع فرويد الى فيينا لتتابع دروسه في التحليل النفسي. فوصلت فيينا عند نهاية العام 1912 حين كان فرويد في قمة عراكه مع الفريد آدلر، فوقفت من فورها الى جانبه، مع صديقتها الين دلب، مما أرضى غرور المعلم العجوز الذي يقال إنه اولع بها منذ تلك اللحظة، وكان هو الذي شجع تلميذه الوفي فيكتور تاوسك على عشقها.

> منذ ذلك الحين وحتى وفاتها عام 1937، لم تكف لو اندرياس - سالومي عن خوض مهنة التحليل النفسي التي كانت تقول إنها أعطتها حياة ثانية. بيد أن ما كان يعرفه الجميع في ذلك الحين هو ان حياة لو الأولى لم تكن لتقل أهمية. فالسيدة التي سحرت فرويد وهي خمسينية، كان قد سبق لها خلال العقود الأولى من صباها أن سحرت قمتين، على الأقل، من قمم الأدب والفكر لا تقلان عن فرويد أهمية: فردريك نيتشه وراينر ماريا ريلكه، هذا لكيلا نتحدث عن الفيلسوف بول ري، الذي أولع بها بجنون وعاش مع نيتشه تنافسا عليها ملأ كل حياته، ولكيلا نذكر المستشرق فريدريك اندرياس الذي تزوجته وحملت اسمه لكنها سامته مر العذاب طوال حياتها الزوجية معه. والحال أن هؤلاء المشاهير، كانوا «بعض» عشاق لو أندرياس - سالومي، لا كلهم.

> لكن السيدة التي عاشت حياتها طولاً وعرضاً وملأت الدنيا وشغلت أهل الثقافة وعموم الناس عند نهاية القرن الفائت وبداية هذا القرن، كانت امرأة قلقة حائرة لا يقر لها قرار أو هذا ما تقوله لنا هي بنفسها على طول صفحات كتابها الأساسي أو على الأقل الذي يعتمده الباحثون الجديون أكثر من أي كتاب آخر لها بما في ذلك الكتاب الذي وضعته عن فريد وكانت تعتقد أنه سوف يكون الكتاب العلمي المعتمد عن مؤسس التحليل النفسي. لكن أياً من العلماء لم يعتمده وظلت هي طوال حياتها تسأل لماذا؟ بيد أن أحدا لم يجبها. والسبب بسيط: إذا كانت لو (أو لويز) قد اعتبرت نفسها عالمة نفسية كبيرة ومحللة نفسية ومؤرخة لا يُشق لها غبار في مجالات الفلسفة والتحليل النفسي جاعلة من فكرها استمراراً لنيتشه وفرويد سواء بسواء، فإن الحقيقة التاريخية تفيدنا بأن أي شخص جدي لم يشاركها ذلك الاعتقاد. اعتبرها الجميع فتاة جميلة ذات طموحات لا تحدّ لكن قدراتها لم تكن أبدا على حجم طموحاتها. وهكذا ضربوا الصفح عن كتاباتها العلمية، لكنهم التفتوا بكل جدية وأريحية ناحية سيرتها الذاتية التي أجمعوا على أنها كانت بالغة الصدق في رواية تفاصيلها ولا سيما ما يتعلق بالمفكرين الثلاثة أو الأربعة الذين شكلوا علامات أساسية في حياتها.

> من خلال سيرة لو، يمكن المرء، ولو بشكل موارب، أن يلاحظ كيف تصف لو نفسها بأنها امرأة لا تكف عن الركض. وكانت تركض وتركض طوال الوقت كما تقول لكنها أبدا لم تكن تدري إلى أين تركض. ولربما كانت مشكلة لو الأساسية والتي من المستحيل العثور على ذكر مباشر لها في الكتاب، لكن في وسع القارئ الحصيف أن يتلمسها ضمنيا، كانت في اعتيادها أن تغير «عشاقها» كما تغير انواع الكتابة التي تهوى ممارستها، وكما تغير البلدان التي كانت تعيش فيها. فالواقع أن لو إن لم تتمكن من التعمق في علم النفس أو التحليل النفسي بالحجم الذي خيّل اليها انها فعلته، فإنها في الأحوال كافة التقطت ما كان يكفيها لأن ترسم ملامحها الخاصة النفسية من دون أن يوصلها التشخيص - البديع على أي حال الذي ترسمه- إلى أي إستنتاجات. أو لعل ذلك الوصول إلى أي استنتاجات منطقية كان يرعبها فاستنكفت عنه. غير أنها في المقابل، ولعل هذا من فضائل هذا الكتاب، عرفت في طريقها كيف ترسم لوحات إنسانية لكل واحد من المفكرين الذين أحبوها وجُنّ كل واحد كما تقول، هياماً بها، لكنها هي في الحقيقة لم تغرم بأي منهم، بل تعاطت معهم كأساتذة كبار. وفي المقابل، نلاحظ كيف أن الملامح التي قدمتهم من خلالها تصوّرهم بشرا ويكاد كل منهم يختلف إلى حدّ كبير عن الصورة المعهودة له.

> وهكذا، على سبيل المثال، إذا كانت الصورة المعهودة عن نيتشه تصوره عدواً للمرأة يضعها في مكانة دنيا في المجتمع، ترفض هي هذه الفكرة مؤكدة أن نيتشه كان من كبار عاشقي المرأة ومبجّليها، هو الذي كانت أخته صاحبة السطوة عليه، والذي استسلم أمام سحر لو سالومي - وتقول هي من دون أن يرفّ لها جفن أنه استسلم أمام فكرها وقدراتها العقلية بمقدار ما استسلم أمام جمالها، ويقينا أن هذا الأمر يبقى في حاجة إلى تأكيد -. وعن فرويد تقول إنه كان قادراً على أن يتخلى عن أي دراسة يكتبها إن طلبت منه امرأة موعداً - ولعله كان يجدر بلو هنا أن تتحدث عن أن قضايا نسائية كانت في خلفية خصامه مع يونغ بل حتى مع آدلر، لكنها لا تفعل-. مهما يكن من أمر فإن لو سالومي تحفظ أجمل الذكريات عن أولئك الرجال الكبار الذين عرفت كيف توقعهم في حبائل سحرها من دون أن تعطيهم شيئاً أو حتى وعداً. فالحقيقة أنها لئن كانت قد عرفت كيف تحافظ في سيرتها على كرامة أولئك الكبار فإنها حافظت أيضا على كرامتها ما يجعل قارئي كتابها هذا يخرجون بصورة عنها مختلفة إلى حد كبير عن الصورة المعهودة التي جُعلت لها من قبل مؤرخين وباحثين.

> لو أندرياس سالومي إذا كانت ماتت في غوتنغن بألمانيا عن عمر يناهز السادسة والسبعين، فإنها كانت ولدت في سانت بطرسبرغ، مدينة لا مكان وكل مكان، في روسيا عام 1861، ابنة لعسكري روسي كبير من أصول فرنسية تنتمي إلى الهوغونوت الذين هربوا من فرنسا أيام الحروب الدينية مع الكاثوليك. ولقد أنشأها الأب محبة للفنون والآداب. غير أن هذا الأب سرعان ما أجبرته عقليته الليبرالية على الابتعاد من روسيا التعسفية فانتقل إلى أوروبا حيث نقل معه اولاده ومنهم لويز (لو). وكانت تلك النقلة عاملاً حاسماً في حياة الفتاة، إذ إن الحرية التي أتيحت لها في أوروبا فتحت عينيها على رغبات أدبية وثقافية، وبدأت وهي بعد مراهقة تكتب وتتصل بالحلقات الأدبية. وهي اتصلت باكراً بنيتشه وصديقه الفيلسوف بول ري، وتنافس عليها الاثنان طويلاً، وعرض عليها كل منهما الزواج لكنها رفضت. ويرى البعض أن رفضها ساهم في حال الجنون التي أوصلت نيتشه إلى نهايته. وربما كانت هي، بعد ذلك بزمن، مسؤولة أيضاً عن الحزن الجنوني الذي طغى على الشاعر راينر ماريا ريلكه حين أولع بها، بينما اكتفت بأن اعتبرته صديقاً، وحالة عيادية تمكن دراستها.

> مهما يكن، إذا حكمنا على نيتشه وريلكه، من خلال الكتابين اللذين وضعتهما لو عنهما، وعليهما كما على فرويد من خلال سيرتها، لوجدنا أن كلاً منهم لم يكن بالنسبة إليها أكثر من حالة عيادية. بل إن الحياة نفسها كانت حالة عيادية جديرة بالدراسة لا بأن يمحي الانسان فيها وبسببها. ولعل هذا المبدأ الذي يبدو أنه طغى على حياتها، هو الذي قادها حين بلغت أعلى درجات نضجها، إلى فرويد وإلى التحليل النفسي، بعد أن كانت قد كتبت الدراسات والروايات والنقد الأدبي. والتحليل النفسي هو الذي شغل عقود حياتها الأخيرة، من دون أن تبرع فيه. ومن هنا، لئن كان تاريخ الثقافة يذكرها اليوم، فإنه إنما يذكرها بوصفها ابنة زمانها التي ارتبطت ببعض نوابغ أبناء ذلك الزمان ودمرتهم بسبب ضعفهم، لا بسبب قوتها.