«مو صلاح» عابر للطبقات الاجتماعية في مصر

القاهرة – أمينة خيري |

مئة مشروع صحافي تقدم بها طلاب قسم الإعلام في الجامعة الخاصة لم يخل واحد منها من مقـــال أو اثنين عن «مو صلاح». بعضهم كتب سرداً لنشأته، وبعضهم تطرق إلى تركيبته الشخصية ومهاراته الكروية التي ربما ساعدته في الوصول إلى ما وصل إليه. مجموعة أخرى استفاضت في كتابة مقالات تحليلية أغلبها يعكس مخاوف يحملها تجاه مستقبله، أو ضغائن يخفيها تجاه مجتمع يعتبره قاهراً للأحلام ووائداً للطموح.


مكامن الطموح التي أعاد لاعب الكرة المصري محمد صلاح الحياة إليها بعد موت سريري أصابها بسبب الإحباط تتحدث عن نفسها في تلك المشاريع. شباب وشابات لم يجدوا ما يستحق البحث والتقصي، والكتابة والتصوير، والتحليل والتفنيد ليكون محور أعمالهم الشاب الذي يشبههم.

أوجه الشبه التي يتطرق إليها الطلاب ليست فقط في الشعر الطويل واللحية الكثيفة (وإن كانت بالفعل تحولت صرعة بين شباب كثيرين)، ولكنها تلك التي شعر بها ملايين المصريين تجاه صلاح: شكله مصري، يتحدث من دون تقعير أو تحوير أو تحويل للكلام، يحن إلى بلدته الصغيرة من دون مبالغة، لا يتنكر لأصله البسيط على رغم الملايين التي أحرزها، لا يتصنع هالة النجومية والشهرة التي تحيطه، بل تأتي طبيعية من دون تكلف. وحين يعود إلى مصر لاعباً ضمن المنتخب أو متحدثاً عن مصريته، يبدو وكأنه لم يخرج منها يوماً.

هذه الأيام لا يخلو برنامج من الحديث عن صلاح، ولا تمر جلسة شبابية من دون الاستغراق في سيرته، كما أن صوره عرفت طريقها إلى تي شيرتات تباع بـ40 جنيهاً على الأرصفة، وأخرى تطبع خصيصاً بـ200 جنيه في المراكز التجارية الفاخرة. حتى اللافتات الإعلانية الضخمة في الشوارع والميادين منها ما نجح في أن يضع صورة الأيقونة المصرية مروجاً لمنتج أو خدمة، ومنها ما يبرز دور الأيقونة في العمل التوعوي حيث «أنت أقوى من المخدرات».

المخدرات التي سبقه إلى التوعية منها أيقونة أخرى هي الفنان محمد رمضان، لكن شتان بين الأيقونتين. فرمضان الملقب بـ «الأسطورة» نجح في أن يستحوذ على قلوب ملايين الصبية والشباب في مصر وعقولهم، لا سيما بين المتسربين من المدارس والعمال والقابعين عند قاعدة الهرم الاجتماعي. لكن رمضان «القدوة» الذي اشتهر بأدوار البلطجة والعنف والخروج على القانون لم يسعد البعض ممن رأوا فيه نموذجاً سيئاً قلته أفضل.

الفضل الكبير الذي يدين به كثيرون في مصر لمحمد صلاح لا يكمن في تصويب الأهداف أو مساعدة مصر في الوصول إلى كأس العالم بعد طول غياب، لكنه يكمن في تقديم صورة إيجابية لملايين الشباب يحتذون بها في زمن عزت فيه القدوات المنزوعة الطائفية، بعيدة عن التسسيس، خالية من الإضافات الصناعية المصنوعة خصيصاً لصناعة القدوات.

شمس مصطفى (30 عاماً) مهندس، يقول إنه بحكم عمره عاصر تطوراً مهماً لقدوات الشباب في مصر. «في البداية كان الدعاة من أصحاب اللوك الشبابية، ثم أيقن كثيرون أن منهم أدعياء، فهجروا مبدأ القدوة واعتبروا أنهم يعيشون في زمن حداثي لا مجال للقدوة فيه. ومع سطوع نجم شخصيات عالمية في مجال تكنولوجيا المعلومات وظهور جوانب إنسانية عدة في حياتها، تحول البعض إليها باعتبارها نماذج ناجحة ونجوماً ساطعة. لكني أعتقد أن القدوة الحقيقية بمعناها الحرفي حيث يحلم الشخص بأن يسير على نهج من يعتبره قدوة أو يكون مثله عادة لا تتوافر في شخصيات ذات ثقافة ونشاة مختلفة. لذا حين ظهر محمد صلاح كلاعب كرة عبقري وإنسان أكثر من رائع أصبح قدوة حقيقية لملايين الشباب في مصر والعالم العربي».

علاء سالم (22 عاماً) طالب عراقي يدرس في مصر، يقول إنه وغيره رأوا في صلاح طوق نجاة من حال الإحباط وانعدام الثقة في النفس وتبدد الأمل الذي يجتاح ملايين الشباب العربي بسبب الأوضاع المتردية منذ عام 2011، وتناحر العرب داخلياً، وتفتت دول، واستسلام أخرى سواء طواعية أو بسبب الضعف الشديد للتدخلات الخارجية والإقليمية لإعادة صوغ المنطقة. يقول: «هذه الحال من الإحباط والنظر إلى النفس نظرة دونية ساعدت صلاح على إصلاحها ولا أقول محوها. فمحمد صلاح فرد، وهو لاعب كرة، ولا يجوز تحميله فوق ما يحتمل. لكنه بتفوقه وقدرته على إثبات نفسه وتغني العالم أجمع به والمحبة الكبيرة له، أعاد لنا قدراً من الثقة في أن بيننا من مازال قادراً على أن يكون فاعلاً «.

إلا أن علاء وغيره من الشباب والشابات يتطرقون إلى «إسلام» محمد صلاح الذي أعاد تقديم صورة جيدة عن هذا الدين الذي شوهته «داعش» وأخواتها كثيراً في الغرب وفي الشرق أيضاً. وعلى رغم محاولات البعض في مصر مثلاً للتنبيه الى أن محمد صلاح فخر للمصريين والعرب، وليس للمسلمين السنة، إلا أن ما أصاب المجتمعات العربية والمجتمع المصري من هاجس التديين بدا واضحاً في ردود الفعل التي يعبر عنها الشباب في شأن صلاح.

فيديو مصور أنجزته جهاد محمد (19 عاماً) طالبة الإعلام في الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري في القاهرة، استطلعت فيه آراء عدد من أقرانها حول أسباب نجاح صلاح وتفوقه. دارت النسبة الأكبر من الإجابات في فلك «لأنه يسجد عقب كل هدف»، «لأنه قريب من ربنا»، «لأنه مسلم كويس»، «لأن الله سبحانه وتعالى كتب له التوفيق ويجازيه لأنه مسلم ملتزم».

محمد صلاح – سواء باعتباره «المسلم الملتزم» أو لكونه «اللاعب الخلوق» – أعطى قبلة الحياة لفكرة القدوة الشبابية مصرياً وعربياً. ولأسباب ما أغلبها معروف يصر البعض على شد «مو صلاح» إلى معترك السياسة المتلونة بالدين أو الدين المتلون بالسياسة، على رغم أنه شخصياً نزه نفسه عن كليهما.

شباب من أنصار جماعة الإخوان المسلمين يأخذون على عاتقهم هذه الأيام نشر صور وكتابة تعليقات تقارن بين النجم الكروي المصري المعتزل أبو تريكة والمعروف بهواه الداعم لجماعة الإخوان المسلمين وبين محمد صلاح في محاولة لترجيح كفة الأول على حساب الأخير. فبين فيديو قديم يعود إلى عام 2012 حين أجري لقاء مع صلاح وسئل عن شعوره بعد ما هنأ الرئيس الإخواني السابق محمد مرسي أبو تريكة بفوز في مباراة لعبها كلاهما وتجاهله وهل يعود ذلك لكون أبو تريكة إخوانياً، رد إن الأمر لا يستحق، وأضاف ضاحكاً: «من قال إنني لست إخواناً؟ أنا مربي ذقني (لحيتي) آهو».

لحية صلاح وشعره الأشعث اللذان تحولا علامة مسجلة ونقطة جذب كبيرة يقلدها الشباب وتعشقها الشابات تؤكد أن «مو» ليس قدوة فقط، لكنه تحول أيقونة. تقول ضحى فتحي (25 عاماً موظفة)، أن الميزة الكبرى في محمد صلاح أنه نأى بنفسه تماماً عن السياسة. عناوين الأخبار التي تجمع بين الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي ومحمد صلاح تتراوح بين «محمد صلاح يحرج السيسي ويرفض التصويت له» و «هكذا أحرج محمد صلاح السيسي ومؤيديه» و «محمد صلاح يضع صورة السيسي على مدخل نادي ليفربول» و «كيف مشي صلاح على حبال السيسي من دون أن يقع؟» (مواقع إخوانية) و «محمد صلاح قال باحب السيسي زي والدي وسيكون سيد العالم» و «والد محمد صلاح يحرر توكيلاً للسيسي (في الانتخابات الرئاسية)» و «صلاح يؤجل ترك ليفربول بناء على توصية السيسي» (صحف ومواقع مؤيدة للرئيس السيسي) لا تلجأ إليها غالبية الشباب.

تقول ضحى إن محمد صلاح أبقى نفسه بعيداً من السياسة، والشباب الذين يحبونه ويعتبرونه قدوة يعون ذلك جيداً، لذا كان هناك قرار جمعي بأن ندع من يود أن يكتب يكتب ويقول، ونبقى نحن وصلاح على الجانب نفسه بعيداً من ترهات التسييس.

وبينما تبقى آثار ترهات التسييس في مقاهي وسط القاهرة وشوارعها الجانبية حيث أحاديث خافتة بين الرواد ونقاشات خفية بين الشباب، إلا أن لوحة الغرافيتي الضخمة في «وسط البلد» تجمع الفرقاء وتوحد القادمين من يمين الطريق ويساره والطرق المتفرعة والموازية.