من التدين الشعبي إلى التزمت الاجتماعي

موسى برهومة |

لا يبدو أنّ المستقبل القريب يحمل بشائر طمأنينة تسمح بتخفيف القيود الاجتماعية في العالم العربي من صلفها ورعونتها، ما يعني أنّ الهاربين من قيود «التدين الشعبي» سيلاقون في طريقهم جحافل من التزمت الاجتماعي الذي لا يبتعد من التديّن إلا ليقترب منه، تحت مسميات ذات صلة بالعادات والتقاليد والأعراف.


هؤلاء المستجيرون من الرمضاء بالنار، يتقلبون على جمر الخيارات المريرة المفتوحة على إكراهات لا ضفاف لها، فإن هم استطاعوا السيطرة على أسباب التدين الشعبي ومظانها، والغايات التي يتزيّا بها أصحاب الأيديولوجيات الشمولية، فإنهم غير قادرين على السيطرة على أفكار أبنائهم من جيل يتأهب للصعود وصناعة الفجر القادم، على ما تردّده الأدبيات بشأنهم.

بيْد أنّ هذا الجيل يستبطن أفكاراً متشددة تجاه القضايا الأكثر حساسية في المجتمع، والتي مركزها المرأة، فيجهرون بآراء تنتسب إلى عهود سحيقة من عمر العقل البشري. والمصيبة أنّ هؤلاء في جُلّهم متعلمون، والمصيبة الأنكى أنّ نسبة كبرى من هؤلاء المتعلمين خريجو جامعات غربية، أو أخرى تدرس المناهج الغربية في بلادهم العربية. لكنّ هؤلاء الطلبة الشباب ممن نطلق عليهم الجيل القادم والواعد، ونبني عليهم الآمال، يجهرون بمواقف من المرأة أختاً وأماً وصديقة وحبيبة، على نحو يستبطن الكثير من الرجعية والتخلف، ما يعني أنّ التعليم لم يحفر عميقاً في بنيتهم العقلية، ولم يرتقِ بسلوكهم.

وأغلب الظن أنّ «مجتمع الرفاق» أكثر المجتمعات تأثيراً في عقلية الشباب العربي، وهذا المجتمع يتشكل، في أغلب المرات، وفق شروط عمادها التزمت، فهذا المجتمع يعيب على الشاب أن يذكر اسم اخته أو أمه أمامهم، وتتناسب الرجولة في هذا المجتمع طردياً مع التشدّد: أنت أكثر رجولة لأنك أكثر تشدداً، ما يجعل السباق إلى «الرجولية» مسعى سائر أفراد هذا المجتمع، الذي هو بمثابة نواة لمجتمعات صغيرة أخرى تتناقل هذه العدوى الرجولية بسرعة البرق، ما يكوّن في النهاية مصفوفة اجتماعية تجيز للشاب خريج الجامعة الأميركية أو الأوروبية أن يصادق فتيات كثيرات، وأن يسهر معهن حتى مطلع الفجر، لكنه إن تناهى إلى سمعه أنّ شقيقته تحادث شاباً، لمجرد المحادثة فقط، فإنّ سيف التهديد والوعيد، وما أبعد من ذلك، يُشهر في وجهها، وقد يتعاطف معه الأهل باعتبار أنّ الفتى يريد أن يحافظ على شرف شقيقته، وبالتالي شرف العائلة، وهو ما يستدعي التأييد والتهليل والتمجيد. وقد يمحضه أبوه صفات تجعل الفتى يعتقد أنه «أبو بكر البغدادي» بنسخته الاجتماعية السقيمة!

«مجتمع الرفاق» الذي يمثل هذا الشاب أحد عناصره يتشابه في الشكل والمضمون إلى درجة التماهي؛ فالواحد من هؤلاء يرتدي أفخر الماركات، حتى لو كان فقيراً مدقعاً، ويقتني آخر الموبايلات حداثة، وله قَصة شعر موحّدة تواكب أحدث «صرعات» الموضة، ويرطن غالبية هؤلاء بلغات أجنبية، وتدور غالبية أحاديثهم عن «الغراميات» والسيارات، والأخبار المفبركة، والقصص التي تتوخى «الآكشن»، مع مسحة من معتقدات دينية ذات مرجعيات أسطورية، ما يعني في المجمل النهائي، عطالة فكرية يغيب في غضونها العقل النقدي، والإبداع الذهني الذي يعول عليه منتظرو «الجيل القادم».

المأزق الذي يمثله هذا الجيل في عمومه، ينهل من منابع عدة من بينها التديّني بمعناه الغارق في السحر، والاجتماعي بمفهومه الذكوري الذي لا يرى في الفتاة شريكاً، بل تابعاً، وأنّ عفتها مشروطة بلباسها وسلوكها وموعد عودتها إلى البيت، إن هي خرجت لعمل أو دراسة أو قضاء حاجة، وكذلك مدة بقائها حبيسة الجدران الأربعة، مشلولة الفاعلية. كما تتحدّد «جودة» الفتاة في كونها تابعة لا تجادل أو تفكر خارج الصندوق، ولا يحق لها أن تعترض أو أن تقول «لا»، كما لا يحق لها أن تكون متفوقة، مبدعة، خلاقة، لأنّ من تحوز هذه الصفات هي فتاة «قوية» أو «كاسرة» أو «حسن صبي» كما يقول أهل المشرق. وهي حينذاك لا تصلح للعيش المشترك الذي يقتضي فتاة مذعنة، ضعيفة، مسلوبة الإرادة، تُرضي الغرور المريض لذكور «الجيل المنتظر»!

* كاتب وأكاديمي أردني