رأي علمي أميركي بالانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران

(أ ب)
أحمد مغربي |

لنترك جانباً الزلزال السياسي المتدحرج في الداخل الأميركي، الذي أحدثه قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالانسحاب من «خطة العمل المشتركة الشاملة» Joint Comprehensive Plan Of Action وهو الاسم الرسمي للاتفاق بين 6 أطراف دولية (الدول الأربع المتمتعة بحق الفيتو في مجلس الأمن + ألمانيا) وإيران في 2015. لا داعي للخوض في ذلك البعد الداخلي على رغم حضوره الكثيف في قرار الانسحاب، بل إن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (المتمتع بصداقة شخصية قويّة مع ترامب) لم يتردّد في اعتباره أساساً فيه، على رغم الصداقة الشخصية الوطيدة بين رئيسين يجمعهما نفورهما من المؤسسة السياسية التقليدية في بلديهما.


هناك بعد أميركي داخلي آخر، ظهر مباشرة عقب قرار الانسحاب. يدور الكلام حول موقف المجتمع الأميركي العلمي الذي أبدى حساسية كبيرة حيال ترامب، منذ فوزه المدوي بانتخابات الرئاسة في 2016. وجاء ذلك الرأي من «الجمعية الأميركية لتقدّم العلوم» American Association for the Advancement of Science، التي تنطق بلسانها مجلة «ساينس» Science العلمية المرجعية. وقبل دخوله البيت الأبيض، أطلقت تلك الجمعية نداءات، وسيّرت تظاهرات، وأطلقت حملات جمع تبرعات، بل طلبت من علماء أن يخزنوا في حواسيبهم الشخصية نتائج بحوثهم المتصلة بعلوم لا يستسيغها ترامب، قبل أن تطاولها يد تقليص التمويل!

أعطى الانسحاب السريع لترامب من «اتفاق باريس للمناخ- 2015» صدقية لمخاوف «الجمعية الأميركيّة...». وعقب انسحابه من الاتفاق النووي، سجّلت «ساينس» رأياً علمياً ركّز على التأثير المحتمل للانسحاب في البحوث النووية لطهران، خصوصاً تلك المتصلة بالتسلح النووي.

وبصورة مجملة، مالت «الجمعية الأميركية...» إلى رأي قريب من الموقف الأوروبي القائل إن الاتفاق جاء أصلاً نظراً لوجود برنامج إيراني مقلق في شأن التسلح النووي، بل كان قريباً من تحقيق صنع قنبلة ذرية إيرانية. واستطراداً، هناك أهمية فائقة لممارسة رقابة لصيقة على النشاطات النووية لإيران، والتركيز على التثبت من إمكان وجود نشاطات سرية في التسلح النووي، خصوصاً تخصيب اليورانيوم لإنتاج البلوتونيوم اللازم لصنع قنبلة ذرية. وتالياً، يبرز سؤال مقلق عما إذا كان الانسحاب يؤمّن مزيداً من الرقابة على النشاطات النووية الإيرانية، أم أن مفاعليه ستصب في اتجاه مغاير تماماً.

رأس نووي للصواريخ

استهلت مجلة «ساينس» مقالها عن التأثيرات المتوقعة للانسحاب، باستعادة الأسباب الرئيسة التي برّر بها ترامب قراره، مشيرة إلى تحفظ عدد من الخبراء على ما أورده في شأن عدم كفاءة الرقابة الدولية على البرنامج الإيراني النووي.

وطرحت «ساينس» سؤالاً عن السرعة التي تستطيع بها إيران استعادة برنامجها للتسلح الذري، مشيرة إلى أن معظم الاستخبارات الغربية رجّحت أن طهران كانت على مسافة شهور قليلة من امتلاك القدرة العملية على صنع قنبلة ذرية، قبل اتفاقها مع مجموعة «5+1» في 2015. وآنذاك، كانت إيران تحتاج إلى قرابة 12 شهراً كي تصنع رأساً نووياً يمكن تحميله على أحد صواريخها. ولفتت إلى أن إيران ردت على ترامب بالقول إنها تقدر على إعادة تفعيل برنامجها للتسلح الذري، لكنها لم تكن واضحة في شأن المدة التي تلزم ذلك البرنامج للوصول إلى صنع سلاح نووي. وأشارت «ساينس» إلى أن إعادة التفعيل تقتضي خروج طهران من الاتفاق، ووقف الرقابة التي تمارسها «الوكالة الدولية للطاقة الذريّة» International Atomic Energy Agency بموجبه. وكذلك يتوجب إعادة بناء وتشغيل الآلاف من أجهزة الطرد المركزي التي هي أساس عملية تخصيب اليورانيوم لتحويله إلى بلوتونيوم قابل للتفجير الذري. واقتبست عن «الوكالة...» تقارير أفادت بتدمير أو تعطيل 13 ألف جهاز طرد مركزي في منشأتي «فوردو» Fordow وناتانز» Natanz، كما دمرت أو نقلت إلى بلدان أخرى، قرابة 95 في المئة من مخزونها من اليوارنيوم المخصب.

وحاضراً، يعمل نحو 5 آلاف جهاز طرد مركزي (من الجيل الأول) في «ناتانز»، وقرابة ألف جهاز مماثل في «فوردو». وكذلك فرض الاتفاق حداً أعلى لإنتاج إيران من اليورانيوم المنخفض التخصيب، وكذلك الحال بالنسبة إلى اختباراتها الرامية إلى صنع أجهزة طرد متقدمة. كذلك ألزم الاتفاق طهران إزالة وتدمير قلب منشأة «آراك» التي تعمل في إنتاج الماء الثقيل، وهو من مستلزمات إنتاج اليورانيوم العالي التخصيب Highly Enriched Uranium. وصممت «آراك» لإنتاج كميات من البلوتونيوم تكفي لصنع قنبلتين ذريتين.

باطون في قلب «آراك»

في 2015، لم تكن «آراك» مكتملة، ولكن إيران ألزمت صب الباطون على «القلب» الذي لتلك المنشأة. وبدلاً منها، اتفقت الصين مع إيران على تشييد منشأة لا تستطيع إنتاج كميات ذات شأن من اليورانيوم المخصب إلى درجة إنتاج البلوتونيوم.

وتوقعت «ساينس» ألا يؤدي انسحاب أميركا من الاتفاق إلى إزالة نظام الرقابة الدؤوبة الذي تنهض به «الوكالة الذرية». أما إذا أوقفت طهران تلك الرقابة، يعتبر ذلك مساوياً لاستعادتها برنامج تخصيب اليورانيوم. ولفتت إلى بداهة القول إن إيران تستطيع العودة إلى التخصيب سراً، لكن ذلك يقتضي إعادة تكوين سلسلة متكاملة من الإمدادات النووية، والإبقاء على مكوناتها تحت غطاء السرية.

واستبعدت «ساينس» أن يؤثر الانسحاب الأميركي في نشاطات التعاون في المجال العلمي. وعلى رغم تصور الاتفاق لتعاون في إنشاء مركز مدني للبحوث في «فوردو»، لكنها فكرة لم تنفّذ. إذ يفترض الأمر أن تحدد إيران نوع المختبر الذي تسعى إلى إنشائه، ويلي ذلك ورشة عمل لتعيين مواضيع البحوث فيه. لكن، طرفي الاتفاق النووي أبدتا حذراً حيال التبعات السياسية لتلك الخطوات.

ووفق «ساينس»، عمل قسم مستقل في «فوردو» على إنتاج نظائر مشعة مستقرة التركيب، تصلح للاستخدامات الطبية والبحثية. وهناك مشاريع أخرى بين إيران وشركائها الأوروبيين، كإنشاء مركز للسلامة النووية، لم تتجاوز مرحلة المحادثات الأولية في شأنها.