إعلان الدولة اليهودية ودخول الجيوش العربية فلسطين قبل 70 عاماً... من الحرب الأهلية إلى الحرب الإقليمية الدائمة

هنري لورنس |

أعلنت القيادة الصهيونية «دولة إسرائيل» في 14 أيار (مايو) 1948، يوم الجمعة، تفادياً لوقوع الإعلان في يوم السبت، 15 منه، وهو يوم الجلاء البريطاني. وردت دول عربية على الأمرين المتصلين، نهاية الانتداب البريطاني وقيام الدولة اليهودية، بدخولها الحرب واجتياز قواتها الحدود الفلسطينية العربية (المصرية، الأردنية، السورية، اللبنانية) في يوم واحد، رسمياً. وكانت الاشتباكات الفلسطينية، والعربية- اليهودية، على معظم أراضي فلسطين الانتدابية، لم تهدأ منذ 29 تشرين الثاني (نوفمبر) 1947، يوم إذاعة قرار التقسيم الصادر عن هيئة الأمم المتحدة. وغلبت على هذه الاشتباكات المتنقلة بين الساحل وبين الداخل، وبين الشمال وبين الجنوب الصحراوي، صفة الحرب الأهلية بين جماعات تتحارب في إطار سياسي واحد، وتسعى في تقاسم كيان جغرافي متماسك. فحوَّلها الانسحاب البريطاني، والإعلانان الصهيوني والعربي، نزاعاً دولياً، وحرباً إقليمية، كانت المنظمة الدولية اليافعة حظرت، في ميثاقها، التوسل بها (الحرب) إلى حل النزاعات.


وثارت مسألة قانونية حال اجتياز الجيوش العربية الحدود الفلسطينية، طرجت على الدورة الاستثنائية التي تعقدها الجمعية العامة للأمم المتحدة، وهي قريبة من ختامها. فاجتياز الحدود الفلسطينية إلى الأراضي العربية، على حسب قرار التقسيم، مشروع وسائغ، على خلاف اجتيازها إلى الأراضي اليهودية التي سماها القرار. واختتمت الدورة الاستثنائية ساعتين بعد إعلان الدولة البريطانية نهاية انتدابها وبدء انسحابها العسكري والإداري. فدبت فوضى عارمة في المنظمة الأممية والسياسة الدولية. وذلك أن الدور الدولي في المسألة الفلسطينية، العربية واليهودية، اضطلعت به هيئتان: لجنة الهدنة والوسيط (الدولي).

وتولت الهيئتان رعاية المصالح والخدمات المشتركة (العائدة الى الجماعتين المتقاتلتين)، وحماية الأراضي الدينية («المقدسة»). والمرجع الإجرائي في كلتا الحالين هو الهدنة وليس الكيانين المقدَّرين في خطة التقسيم وقراره. وهذه الهدنة، وهي داخلية في المرتبة الأولى، سقطت فعلاً وقانوناً. وفاقم البلبلة مبادرة الرئيس الأميركي، هاري ترومان، إلى الاعتراف بالحكومة الموقتة (الصهيونية) سلطة أمر واقع على الدولة الناشئة، في 17/5/1948، بينما كانت البعثة الأميركية في الأمم المتحدة تدعو إلى مفاوضة عربية فلسطينية – يهودية على هدنة ركنها الوصاية الدولية على القدس. وفي اليوم نفسه، اعترف الاتحاد السوفياتي اعترافاً قانونياً تاماً بالدولة الجديدة، وأقام علاقات ديبلوماسية بها.

وبلغ عديد القوات العسكرية العربية بفلسطين 20 ألفاً: 10 آلاف منهم مصريون نظاميون ومتطوعون، و4500 أردني، و1500 سوري ومثلهم عراقيون وسعوديون، إلى 1000 لبناني. وانضم 10 آلاف فلسطيني وعربي سبق تطوعهم إلى الـ20 ألفاً. وفي مقابل هؤلاء نحو 30-35 ألف إسرائيلي. وكان التفوق العربي في ميزان السلاح الثقيل، الدروع ومدفعية الميدان، راجحاً، على خلاف الأمر في موازين التدريب والتأطير والخبرة. وعبر الجيش المصري الحدود في 15 أيار. وقضت الخطة المصرية بالالتفاف على المواقع اليهودية ومحاصرتها، وبالتقدم على طريقين، الأول ساحلي، بينما ييمم الثاني صوب الداخل إلى بير شيبا (بئر سبع). واستقبل أهل غزة المصريين استقبال المحررين، فباشر هؤلاء نزع سلاح الفلسطينيين. وساروا إلى مستوطنة يادموردخاي، فسقطت في 24/5. وبلغوا أشدود، على 23 كلم من تل أبيب. وفي الثاني والثالث من حزيران (يونيو)، شنت القوات اليهودية هجوماً مضاداً غير منظم، احتفظ المصريون في أعقابه بمواقعهم الساحلية.

والمحور المصري الثاني، في النقب، تولاه «إخوان مسلمون» قام ضباط نظاميون على تأطيرهم وقيادتهم. وأرادت القوات المصرية، النظامية و «الإخوانية»، مكافأة الخطة الأردنية الرامية إلى الاستيلاء على أوسع شطر من الأراضي الفلسطينية، وإحباطها. ودخلت القوات المصرية الخليل، في 20/5، وأقامت جسراً يصلها بالجيش الأردني ببيت لحم. وتعاون الجيشان على مهاجمة المستوطنات في منطقة القدس، واستقرت طلائع الجيش المصري على مسافة 5 كلم من المدينة. وشمالاً، تخلى الجيشان السوري واللبناني عن خطة هجوم مشتركة على القوات الإسرائيلية، فوسع هذه الانصراف إلى «تطهير» حيفا والشريط الحدودي المتاخم الأراضي اللبنانية. وهرب القرويون الفلسطينيون أمام التطهير، وأخلت القوات طرق الهرب. وعلى خلاف أوامر رياض الصلح، رئيس الحكومة، بالهجوم، اقتصرت القوات العسكرية اللبنانية (800 جندي) على تبديل مواقع على الحدود. ودخلت بلدة المالكية، في 15/5، وخسرتها في 18 منه.

وبعد أن تخلت القوات السورية عن هجوم من الأراضي اللبنانية، حاولت دخول الأراضي الفلسطينية من الجولان، بين بحيرة طبريا وبين طرف إصبع الجليل. وافتقرت العملية إلى الذخيرة، وكانت القوات المهاجمة نزلت عن شطر من ذخيرتها إلى جيش الإنقاذ، وجبهتها مقاومة يهودية قوية كبدت المستوطنات المحلية خسائر في الأرواح. واستأنفت القوات السورية الهجوم في 15 أيار (مايو)، في قيادة حسني الزعيم، فاستولت على سمخ (زيماك)، جنوب طبريا، وهي باب على وادي الأردن. فاصطدمت بمستعمرتين «تاريخيتين»، دغانيا ودغانيا (ب)، واضطرت إلى الانكفاء عن سمخ. ونسق السوريون مع اللبنانيين و»الإنقاذ» هجوماً على شمال طبريا. فاستولى اللبنانيون على المالكية، في 6 حزيران، والسوريون على ميشمار هاياردين القريبة في 10 منه. واقتتل «الإنقاذ» مع الإسرائيليين في لوبية وسجرة، وحاول العراقيون عبور الأردن، قرب رافد اليرموك، فاستولوا على المحطة الكهربائية والمائية القريبة من مستعمرة غيشير، وثبتت المستعمرة وامتنعت من المهاجمين. وردت هجوماً على خط أنابيب الآي بي سي.

وأمر عبد الإله، الوصي العراقي، وعبدالله، الملك الأردني، القوات العراقية بحماية الجناح الأيسر الأردني، ودخول الضفة، من جسر اللنبي. فبلغت نابلس في 21/5، وطولكرم في 23 منه، وكانت على 11 كلم من المتوسط في أواخر الشهر. وهاجم الإسرائيليون مثلث نابلس وطولكرم وجنين، في أوائل الشهر السادس، وأخلوا المنطقة من سكانها. ودخلوا جنين في اليوم التالي. وجبهتهم مقاومة عراقية وفلسطينية قوية. وأنجد العراقيون المدينة، وردوا المهاجمين الإسرائيليين عنها.

وكانت القدس، وجوارها في الضفة، المسألة الحاسمة. وطمع غلوب باشا، قائد القوات الأردنية البريطاني، ومعه الضباط البريطانيون والملك عبدالله نفسه، في ضم الشطر الأكبر من فلسطين العربية الى المملكة الأردنية الهاشمية من غير قتال الإسرائيليين. ودعت «طبيعة النزاع»- استحالة نصر قاطع واضطلاع الدول الأجنبية بدور حاسم- الطرفين إلى إنشاء وقائع ميدانية وإعلان احترام المشروعية الدولية، في آن. وعملاً بهذا دخل الفيلق العربي، «الأردني – البريطاني»، الضفة الغربية من جسر اللنبي قاصداً السيطرة على الأراضي العربية في خريطة التقسيم. وفي الأثناء، استولى المصريون على سفينة ذخيرة إلى الفيلق وتبحر في السويس. وهجم الفيلق على فلسطين الوسطى، بين أريحا ورام الله، وأوكل إلى العراقيين الاستيلاء على شمال المنطقة.

وخطط المهاجمون للسيطرة على المرتفعات القريبة من القدس، وعلى طريق يافا إلى القدس، في اللطرون. وبلغوا فعلاً الطريق هذه، في 18 أيار. وحرص البريطانيون على ألا تنشأ دولة عربية في قيادة الحاج أمين الحسيني. والتبس الأمر على بن غوريون فأمر القوات الصهيونية بمهاجمة المباني الرسمية بالقدس، ثم بالاستيلاء على أحياء عربية وفك الحصار عن الحي اليهودي القديم. وكانت القوات العربية في المدينة تعد ألفين، وهم خليط من «الجهاد المقدس» (قوات الحسيني) والشرطة والجماعات القروية و «جيش الإنقاذ» (في رعاية الجامعة العربية) و «الإخوان» السوريين والمتطوعين العرب. وصمدت هذه القوات في وجه الهجوم، ولم تخلِ أحياءها، ما عدا الشيخ جراح ومأوى نوتردام دي فرانس القريب من السور. وساندتها مدفعية «الإنقاذ» في جبل صمويل.

والذخيرة القليلة كان مصدرها أريحا، وتولت نقلها إلى أريحا طائرات مصرية ويمنية. وأدى استيلاء الفيلق العربي على أريحا إلى قطع التموين. فتوسط الوجهاء المحليون و «الإخوان» السوريون لدى عبدالله وطلبوا استئناف التموين، فرفض. وفي 18/5، أمر غلوب باشا الفيلق بالهجوم على جبل الزيتون. وفي اليوم التالي، استعادت قواته الشيخ جراح، ونصبت الملك الأردني محرراً للقدس. وأنشأت القوات الأردنية جهازاً دفاعياً عن المدينة، وهاجمت المأوى الفرنسي، وبلغت صحن الأقصى. ولكنها سرعان ما تركت استعادة الأحياء العربية المحتلة. وأخلت المدنيين اليهود. فنُقل 800 منهم إلى الأحياء العربية المحتلة، و350 شاباً أسرى إلى الأردن.

وحاصر غلوب باشا القدس من أعالي اللطرون، وأراد قطع الطريق إليها من غير إعداد استخباري، في 25/5، فخسّر القوات المهاجمة 140 مقاتلاً. وحاول الالتفاف على الطريق، فأخفق. وشق طريقاً التفافية عبر التلال. وشن هجوماً ثالثاً، في 9 حزيران، فخسر نحو 100 جندي وبعض المواقع. واضطلع «الجهاد المقدس» في قيادة حسن سلامة بدور راجح في الدفاع عن اللد ورام الله، غير بعيد من اللطرون، واستولى الإسرائيليون، في 19/5، على قرى شرق المدينتين. واستنجدت قوات «الجهاد المقدس» بالأردنيين المتمسكين باللطرون. وقتل حسن سلامة في 30 أيار برأس العين. وأنجد عبدالله اللد بقوة مؤللة صغيرة، غداة يومين على الخسارة المعنوية القاسية.

وخلفت الأوضاع العسكرية والقانونية الجديدة، الناجمة عن وقائع الأسابيع الثلاثة في أعقاب الإعلان الإسرائيلي ودخول الجيوش العربية أراضي فلسطينية، اضطراباً ديبلوماسياً دولياً حاداً. فاعترض المندوب البريطاني على طلب الولايات المتحدة إعمال المادة 39 من ميثاق الأمم المتحد، وقال: إعلان الدولة اليهودية إجراء من طرف واحد، ويحول دون تحريك الفصل السابع والعقوبات المترتبة عليه. فليس لإسرائيل صفة دولة، ولا حدود لها، والهيئة التي تقوم مقام الحكومة لا تباشر سلطة محددة في دائرة معينة، والاعتراف بها يفترض الاعتراف بعدد من الدول المجاورة، من بينها المملكة الأردنية، وعلى هذا فلا يصح اعتبار الحال في فلسطين تهديداً للسلام. فأوكلت الجمعية العامة إلى لجنة الهدنة المفاوضة مع الأطراف المتقاتلة على مراقبة إمداد السلاح والرجال ووقف الحرب. وأوكل إلى الوسيط الدولي، السويدي برنادوت، إنشاء فريق مراقبين عسكريين ومراقبة الحصار. ولم يحظ القرار 50 هذا باقتراع عليه واحد وإجمالي، فاقترع على فقراته واحدة واحدة. وأدركت الكتلة الغربية خطر انشقاقها، ودوام التوتر الأوروبي – الأميركي. ولما طلب الوسيط الجديد إنشاء لجنة مراقبة الهدنة من مراقبين فرنسيين وبلجيكيين وأميركيين (الولايات) وسوفيات، أنكرت الدول الغربية إشراك موسكو في اللجنة. فرجع الوسيط عن الاقتراح، وتبرأت موسكو من السعي في إنجاح الهدنة.

* أستاذ كرسي تاريخ دول الشرق الأوسط المعاصر ومجتمعاته في «كوليج دي فرانس»، عن «مسألة فلسطين»، ج 3، 1947-1967 (تمام التنبؤات)، دار فايار، 2007، إعداد منال نحاس

عن (mideastcartoonhistory.com)

الأكثر قراءة في الرأي