ثورة سلمية أنتجت أرمينيا جديدة

كيراكوس قيومجيان |

مرت بسلام فترة الشهر التي استغرقتها «ثورة الشعب البيضاء» في أرمينيا التي قام بها الزعيم الجديد عضو البرلمان نيكول باشينيان الذى أزاح من سماء أرمينيا تلك الغيمة القاتمة التي ضغطت على صدر الشعب الأرميني منذ مايزيد على 25 عاماً، اي من اليوم الذى حكم فيه الرئيس السابق المخلوع سيرج سركيسيان ومن قبله روبير كوتشاريان من الحزب المهيمن نفسه. نعم انزاحت الغيمة ومعها طبقة الفساد الإداري الجاثم على صدر الشعب وأصبح الذي بات بمقدوره أن يتنفس أجواء الحرية من دون خوف من أزلام النظام والحكام الذين كانوا ممسكين بمفاصل الدولة. حتى أنه لم يكن ممكناً لك مثلاً الشروع بأي عمل ذي مردود إيجابي على البلد أو مباشرة استثمار في أي مشروع كان من دون أن يكون لك راع أو شريك إجباري من العصابة الحاكمة، ما أدى إلى انكفاء المغتربين الأرمن فى عمليه إعمار البلد وإدخال الاستثمارات من رجال الأعمال المنتشرين حول العالم، وما أكثرهم والذين لهم رغبه جامحة وإمكانات وكفاءات وسوابق مشرفة فى بلدان اقامتهم، والذين كانوا يمتنعون عن نقل جزء من رأسمالهم خوفاً من أجواء الفساد الاقتصادي القائمة والطاردة بكل معنى الكلمة. وكل ذلك سبب عوامل خارجية قاهرة أخرى لانكماش الاقتصاد واستشراء النهب في البلد بشكل كبير. وكان من نتائجه الحتمية انتشار الفقر وزيادة هجرة الشباب التي وصلت الى مستويات مرتفعة أفرغت أرمينيا من شبابها وقوتها العاملة طيله العقود الماضية، وسوف تفرغ البلاد من مقومات بقائها وازدهارها خلال العقود المقبلة وتقف عائقاً امام الوصول الى المكانة المرموقة التى تستحقها وتليق بها بجدارة، وهي البلاد والشعب العريق في تاريخه الفريد فى ثقافته، والمعروف جيداً بإبداعاته فى محيطه اينما كان اضافة الى سمعة شعبه الراقي.


غداً وبعد استقرار النظام وانطلاقته بالتشكيله الوزارية الجديدة، والأهم من ذلك بدء إرساء المفهوم الديموقراطي الحقيقي ستفتح آفاقاً جديدة لأرمينيا في كل نواحي الحياة باتجاه الرفاهية والاستقرار السياسى والاجتماعي وهو ما يؤهلها اكثر لتكون قريبة من نمط الحياة الأوروبية من خلال تطبيق قوانين وأساليب الحياه المتحضرة برفع المستوى المعيشي للشعب والاندماج مع الشعوب الراقية والازدهار والتطور.

أن غالبيه أفراد الشعب الأرمني فى المهجر ينظرون بعين الرضا وبفرحة لا توصف الى ما حدث خلال الشهر الأخير، ويثقون أيضاً بأن الخطط الخيرة والوردية في أذهان جمهور المهجر بدأت ترسم كل وفق قدراته وإمكاناته، والتي قد تبدأ من أبسط الرغبات، كسفرة سياحية مع العائلة إلى أرمينيا وقضاء عطلة هذا الصيف هناك مروراً بالتفكير بشراء منزل أو بناء فيلا في ضواحي العاصمة يريفان الخضراء الجميله والنظيفه، وصولاً إلى قرارات لنقل جزء من النشاط التجاري الحالي إلى الوطن أو تأسيس عمل في أرمينيا أو بدء المشاورات بنية إنشاء مشاريع ومصانع إنتاج كبيرة وبنوك وفنادق ومنتجعات... الخ

ان البيئه الاقتصادية الحاضنه للمستثمر الأجنبي، وبخاصة العربي لن تكون اقل جاذبية من حال وضع ابن البلد. وقوانين الاستثمار السارية اصلاً مع وجود الممارسة والتطبيق الفعلي الصحيح لتلك القوانين وتوفير مستلزمات البنية التحتية ستحقق الهدف الاقتصادي المنشود للإنماء المستدام والمنفعة المتبادلة، للمواطنين او للمستثمرين الأجانب على حد سواء. في خضم تركيزنا على النواحى السياسيه والاقتصاديه لثورة الشعب لا بد من تثمين عملية الانتقال السلمي للسلطة، وأيضاً الموقف النبيل الذي تعامل بموجبه قائد وأعضاء الحزب الحاكم بتسليم مقاليد السلطة بوسيلة حضارية مثالية قل نظيرها في عالمنا المشرقي.

* باحث أرميني مقيم في الكويت