العقوبات وحظر الانتشار النووي ... نحو مراجعة دولية

محمد فايز فرحات |

ستظل أزمة البرنامج النووي لكوريا الشمالية موضوعاً جديراً بالدرس من جانب الباحثين في العلاقات الدولية. وستزداد أهمية ذلك في حال نجاح أطراف الأزمة في إنجاز تسوية تاريخية. ذلك أن هذه التسوية- حال تحققها- لن تعني فقط إنهاء آخر الأزمات الإقليمية الموروثة عن الحرب الباردة، لكنها ستفرض، من ناحية، تحدياً للكثير من الفروض البحثية التي لقيت رواجاً وتوافقاً بين باحثي العلاقات الدولية خلال الفترة الماضية. كما ستسهم، من ناحية أخرى، في تعزيز بعض الفروض البحثية المهمة حول تسوية الصراعات الإقليمية. لكن مرة أخرى، فإن طرح هذه الفروض سيظل رهناً بنجاح التسوية المرتقبة، ويعتمد ذلك على عوامل كثيرة، يتعلق بعضها بمدى وجود قرارات استراتيجية لدى أطراف الأزمة المباشرين (بيونغيانغ وواشنطن بالأساس) في إنجاز هذه التسوية، ونوع هذه التسوية، وقدرة الأطراف على تجاوز التعقيدات السياسية والأمنية المتوقعة. والتسوية المقصودة هنا هي قبول بيونغيانغ مقايضة حزمة من الأثمان السياسية والأمنية والاقتصادية، ببرنامجها النووي، وقدرة واشنطن وباقي الأطراف على توفير هذه الأثمان. أول الفروض التي ستواجه تحدياً كبيراً حال تحقق هذه التسوية هو ذلك الذي راجَ بين باحثي العلاقات الدولية حول عدم فاعلية آلية العقوبات في إجهاض مشروعات الانتشار النووي.


وتمثل الهند وباكستان حالتين تاريخيتين في هذا المجال. إذ لم تفلح آلية العقوبات في إثناء أي منهما عن الاستمرار في مشروعه النووي، وانتهى صراعهما مع القوى الكبرى بنجاحهما في الانضمام إلى النادي النووي. ولا يمكن الاستناد إلى حالتي ليبيا وإيران، للقول بنجاح آلية العقوبات في إنهاء مشروعيهما النووين، من خلال إجبار نظام القذافي على اتخاذ قرار طوعي في 19 كانون الأول (ديسمبر) 2003 بتفكيك برنامجه ومنشآته النووية، أو إجبار إيران على القبول بالاتفاق النووي الموقع في تموز (يوليو) 2015 في إطار مجموعة (5+1). فهناك الكثير من الحجج التي تدحض القول بفاعلية آلية العقوبات في الحالتين. ففي الحالة الليبية، يصعب وصف ما امتلكه وسلمه نظام القذافي آنذاك ببرنامج نووي أو منشآت نووية. وحتى بافتراض ذلك، فإن دافع اتخاذ هذا القرار لم يكن العقوبات المفروضة على ليبيا، بقدر ما تمثل في تخوف القذافي من مواجهة سيناريو الغزو الأميركي للعراق. بل ربما كان مشهد مقتل ابنيّ صدام حسين، قصي وعدي، في 22 تموز (يوليو) 2003 ومحاولته تجنيب أولاده المصير ذاته، هو الدافع الأكثر قوة وراء قرار القذافي التخلي عما روّجه للعالم على أنه برنامج لتطوير السلاح النووي، كرسالة لتأكيد «انصياعه» الكامل لقواعد اللعبة في المنطقة. وفي حالة إيران، يصعب القول أيضاً إن اتفاق العام 2015 يمثل تفكيكاً كاملاً ونهائياً لبرنامجها ومنشآتها النووية، بقدر ما مثّل «تجميداً» مرحلياً لهذا البرنامج، وهو ما انتبهت إليه لاحقاً إدارة ترامب ثم إعلانها الانسحاب من الاتفاق. بمعنى آخر، فإن حالتي ليبيا وإيران لا تنهضان أساساً كافياً أو دقيقاً لبناء علاقة سببية واضحة بين آلية العقوبات من ناحية، ومنع الانتشار النووي، من ناحية أخرى. ففي الأولى (ليبيا)، لم يكن هناك برنامج نووي حقيقي، وفي الثانية (إيران)، لم يكن ما حدث تفكيكاً كاملاً ونهائياً لبرنامجها النووي.

وظلت فرضية عدم فعالية العقوبات كآلية لحظر الانتشار النووي، صالحة أيضاً في الحالة الكورية لفترة طويلة. فقد تعرّض نظام بيونغيانغ لحِزمٍ متتالية من العقوبات، تسارعَت وتيرتُها مع إجراء التجربة النووية الأولى في 9 تشرين الأول (أكتوبر) 2006، كان أهمها العقوبات المفروضة عليه بموجب قرارات مجلس الأمن ذات الصلة. كما كان هناك تلازم واضح بين صدور هذه القرارات وسلسلة التجارب النووية والصاروخية التي أجرتها بيونغيانغ خلال هذه الفترة. ومع ذلك، حكمت العلاقة بين العقوبات والسلوك الكوري معادلة قامت على أن فرض المزيد من العقوبات كان يستتبعه غالباً المزيد من تصلب الموقف الكوري، بل وإجراء المزيد من التجارب النووية والصاروخية.

واستمرت هذه المعادلة حتى نهاية العام 2017 تقريباً. وطُرحت في هذا الإطار الكثير من الفرضيات حول عدم فاعلية آلية العقوبات في تغيير سلوك النظام الكوري. كان أبرزها ما طُرح حول عدم فعالية هذه الآلية في حالة الاقتصادات الصغيرة أو المغلقة، ذات العلاقات الاقتصادية والتجارية المحدودة مع العالم الخارجي، والتي تتركز علاقاتها مع شركاء تجاريين تربطهم علاقات جيدة معها، الأمر الذي يفرغ هذه العقوبات من مضمونها (في حالة كوريا الشمالية مثّلت السوق الصينية الوجهة الرئيسة لحوالى 90 في المئة من الصادرات الكورية في سنة 2016).

وما طرحه البعض أيضاً حول ضرورة ألا تقل نسبة الخسائر الناتجة من تلك العقوبات عن نسبة محددة من الناتج المحلي الإجمالي. وما طرحه آخرون حول عدم مرونة الأنظمة الخاضعة للعقوبات في حالة ارتباط الصراع بالأمن القومي وبقاء النظام. لكن تحولاً نوعياً ومفاجئاً في سلوك نظام بيونغيانغ حدث مع بدء العام 2018.

هذا التحول لا يمكن تفسيره استناداً إلى متغير واحد، لكن في ما يتعلق بمتغير العقوبات، يمكن تفسير هذا التحول- ولو جزئياً- استناداً إلى تحول سابق ومهم في طبيعة وآلية العقوبات المفروضة على النظام، وهو التحول الذي ارتبط بصدور قرارات مجلس الأمن 2321، 2356، 2371. فقد تضمّنت هذه القرارات توسيع نطاق العقوبات لتشمل قطاعات اقتصادية شديدة الحساسية بالنسبة إلى بيونغيانغ، شملت فرض حظر على صادراتها من الفحم والوقود المعدني، والأسماك والأغذية البحرية والقشريات، والحديد وركائز الحديد، والزنك. وكان من شأن شمول هذه القطاعات إلحاق أضرار كبيرة بالاقتصاد الكوري، بالنظر إلى نسبته المهمة من إجمالي الصادرات الكورية (43 في المئة للوقود المعدني شاملاً الفحم، 6.9 في المئة للأسماك، 2.1 في المئة للحديد والصلب، 1.4 في المئة للزنك، بإجمالي 52 في المئة للقطاعات الثلاثة). ولم يقتصر الأمر على ذلك، فقد تضمّن تمرير الصين لهذه القرارات داخل مجلس الأمن، وما تضمنته من عقوبات مؤلمة بالنسبة إلى الاقتصاد الكوري، رسالة صينية مهمة لحليفها، مفادها أنها لن تدعمه على طول الخط. هذا الموقف الصيني كان مبنياً على حسابات ومصالح استراتيجية تتجاوز «الحليف» الكوري، لا تتعلق فقط بخطر جر المنطقة إلى حرب، بل قد تشمل صفقات أميركية- صينية كبرى لم تتضح بعد. هذه القرارات الثلاثة صدرت قبل حدوث التحول النوعي الأخير في سلوك النظام الكوري، لكن لا يمكن تفسير هذا التحول من دون فهم مضمون الرسائل التي انطوت عليها، وكان لا بد من وقتٍ حتى تؤتي تأثيرها على سلوك النظام الكوري. وعلى رغم الصراع القائم بين خطابي واشنطن وبيونغيانغ حول حجم تأثير العقوبات على التغير الحادث في موقف وسلوك النظام الكوري، فإنه لا يمكن إغفال تأثير التحول في طبيعة ونطاق العقوبات- كما عكسته القرارات الثلاثة المشار إليها- في إحداث هذا التغير. وهذا ما يفسر التوسع الأميركي في آلية العقوبات ضد إيران بالتزامن مع الانسحاب الأحادي الجانب من الاتفاق النووي.

وهكذا، وفي حال إنجاز التسوية التاريخية المرتقبة للأزمة النووية الكورية، سنصبح أمام حالة مهمة لنجاح آلية العقوبات في إجهاض ليس فقط حالة من حالات الانتشار النووي، ولكن تفكيك مشروع شبه مكتمل، الأمر الذي يفرض ضرورة البحث في الشروط الوسيطة وراء نجاح هذه الآلية. ربما يأتي ضمن هذه الشروط توفر مخرَج أو إطار لإدماج النظام في التفاعلات الإيجابية في الإقليم (دورة سيول للألعاب الشتوية)، أو حدوث تراجع نسبي في حجم الدعم المقدم من الشريك التجاري والسياسي الرئيسي (التحول في موقف الصين)، أو جود توافق بين القوى الكبرى حول ضرورة تسوية الصراع (التوافق، وربما الصفقة التي تطورت بين واشنطن وبكين)، أو غياب الأزمة من قائمة الاستقطابات الأميركية- الروسية، أو الاستقــــطابات الإقليــــمية (على العكس من الأزمتين السورية والأوكرانية).

هذه الشروط الوسيطة المهمة تثير تساؤلاً حول مدى نجاح الأطراف المعنية في إدارة آلية العقوبات في الحالة الإيرانية خلال المرحلة المقبلة.

* كاتب مصري