في الأساطير المؤسِسة للعثمانية الجديدة

شيرزاد اليزيدي |

يتصاعد خطر النزعة العثمانية الجديدة وتحولها إلى تهديد مباشر وملموس للمنطقة بأكملها، وبخاصة لكردستان والعالم العربي، كون الاحتلال التركي بدأ بقضم مناطق واسعة من روج آفا وباشور (كردستاني سورية والعراق) وعموم الشمالين العراقي والسوري. وفي محاولة لتأطير البحث والنبش في خلفيات هذه النزعة وأساطيرها المؤسسة وآليات اشتغالها من زاوية تاريخية وعلمية، خصص برنامج «منارات» على قناة «العربية» حلقة للحديث مع وزير الثقافة المصري الأسبق والمؤرخ محمد صابر عرب، الذي شرح وعلى هدي حقائق التاريخ ووقائعه، الخطر الداهم لهذا المشروع التوسعي الذي يحاول التسلل عبر سياسات ناعمة ومواربة طوراً، وعبر توسع فاضح ومعلن، كما نشاهد في عفرين مثلاً طوراً آخر.


فالرجل شرح كيف أن حقبة الاحتلال العثماني الممتدة أربعة قرون حرمت العالم العربي والمنطقة عموماً من الاحتكاك بالحضارة العالمية ومركزها الأوروبي والاستفادة من انبلاج فجر عصر التنوير والإصلاح الديني والحداثة المنبثقة من أوروبا للعالم أجمع، وأن السلطنة العثمانية بنزعاتها العسكريتارية الدموية عاثت فساداً ونخراً بنيوياً بمختلف مفاصل الاجتماع والثقافة العربيين، منوّهاً بأن ثمة مشروعا تركيا معلناً بحلول 2023 لإعادة بعث تلك السلطنة بالفعل. وفي هذا السياق يتم التعاطي مع شعوب المنطقة ودولها كما لو أنها لا زالت ولايات وممالك تركية، وكما لو أن الناس في هذا الجزء من العالم، عرباً وغير عرب، رعايا خاضعون للسلطان.

وهو شرح على نحو مسهب وبالحجة والبرهان والتوثيق التاريخي العلمي كيف أن الاحتلال العثماني شكل مرحلة تقهقر وانحطاط في المنطقة وتحديداً منذ القرن السادس عشر، كون الحواضر والأمصار على امتداد العالم العربي كانت قبلاً تشهد ازدهاراً في مختلف صنوف المعرفة والتجارة والتبادل والتثاقف مع العالم، لكن مع السيطرة العثمانية بدأت مرحلة الانحدار والانهيار في العالم العربي حيث كان العثمانيون يعتمدون القوة لفرض سلطنتهم وقمع وإبادة الشعوب والأقوام الأخرى، وأن القطيعة مع الغرب بفعل ذلك فرزت تخلفاً فكرياً وحضارياً مزمناً.

والحال أن تناول هذه الموضوعة المتفجرة التي لم تعد مجرد خطر نظري محتمل، من زاوية التوثيق والتحليل التاريخي مهمة جداً كي يتسنى للناس الاطلاع على خلفيات الأخطار الداهمة المحدقة بهم. وأي خطر أكبر من نزعة عثمانية جديدة تترجم نفسها على الأرض، محاولة السيطرة على شعوب وأمم وبلدان بأكملها بالقوة العسكرية، وكأننا في العصور الوسيطة وفي زمن الفرض والاحتلال والدمج القسري.

فمن دون الإحاطة بخلفيات التحديات الراهنة وسبر مقدماتها التاريخية، ومن دون فهم الماضي واستيعابه واستنباط العبر منه، لا يمكن بداهة التعامل مع الواقع ومع النتائج.

* كاتب كردي سوري