كندا من «أرض المنفى» ... إلى الهجرة المفتوحة

توزيع أعلام كندية على مهاجرين جدد (الحياة)
مونتريال – علي حويلي |

كانت كندا تعرف بـ «أرض المنفى» نتيجة لبعدها ووقوعها في الطرف الشمالي من العالم وقساوة مناخها وقلة عدد سكانها الأصليين. إلا أنها رغم ذلك، كما يؤكّد مؤرخون كنديون، كانت بلاداً مفتوحة أمام موجات الوافدين من وراء البحار ومن خلف التخوم المحاذية.


وفي الأعوام التي تلت الحرب العالمية الثانية استقبلت كندا بموجب أول قانون للهجرة عام 1947 أكثر من نصف مليون شخص، رجالاً ونساء وأطفالاً، ومن مختلف الجنسيات والإثنيات والألوان والثقافات والأديان. ومنذ ذلك الحين تواصلت موجات المهاجرين واللاجئين من مختلف البلدان المتقدّمة والنامية والمتخلّفة إلى أن باتت كندا اليوم، إضافة إلى الشعب الكندي المتعدد الثقافات واللغات، أشبه ما تكون بجامعة أمم شعبية. واللافت أن هذا النسيج البشري غير المتجانس يحتفظ من دون إكراه بقيّمه ومثله وعاداته وتقاليده، ويحظى إلى ذلك بكامل الحماية والرعاية القانونيتين اللتين توفرهما شرعة حقوق الانسان العالمية ومثيلتها الكندية الصادرة عام 1951 من دون تمييز بين مواطن كندي أو مهاجر أو لاجئ. ولا غرو في ذلك، فسياسة الهجرة الكندية كانت على الدوام جزءاً من عملية التطور التاريخي لهذا البلد الذي يهيئ للوافدين إليه سلسلة من البرامج التأهيلية الهادفة، لغوياً وثقافياً ومهنياً، ويرصد في سبيلها موازنات ضخمة بغية إعدادهم إعداداً منهجياً متكاملاً يهدف إلى تحويلهم، كغاية قصوى، بعد انقضاء جيل أو جيلين من مشروع مواطن إلى مواطنين كنديين لا من حيث التجنّس والنشأة والمولد وحسب، وإنما من حيث التوجّه الثقافي والنمط الحياتي والتكوين الاجتماعي والنفسي وصولاً إلى قطع صلة الرحم مع موطن الآباء والأجداد. ومن اليسير على المرء أن يفك رموز الملصقات الحكومية الداعية إلى الانخراط والذوبان في المواطنية الكندية على غرار «ليس المهم أن تكون أسود أو أبيض أو ذا عينين لوزيتين أو أشعث الشعر، وإنما أن يكون قلبك كندياً».

وبقدر ما كانت تلك الدعوات حريصة على انفتاح الهجرة وتحريرها من أي قيود تحول دون تنامي موجات المهاجرين واحتضانهم إلى درجة صيرورتهم كنديين، بقدر ما كانت ترافقها بين حين وآخر دعوات شوفينية ممنهجة تضج بالكراهية والتمييز، وتدعو إلى انتقاء المهاجرين وفقاً لكوتا محددة تلتزم قبل مجيئها إلى كندا تقاليد سكانها وقيمهم وأعرافهم وتقاليدهم.

وكان هذا التباين يعدّل مسار الهجرة تارة في اتجاه الانفتاح وطوراً نحو التشدد تبعاً لمصالح الأحزاب الكندية التي أدخلت المهاجرين في لعبة الاستحقاقات الانتخابية. فالأحزاب المحافظة واليمينية كانت على الدوام إلى جانب الهجرة المحدودة بسقف معيّن ومن ذوي الكفاءات العلمية والمهنية التي تحتاجها البلاد. في حين أن الأحزاب الليبيرالية (أكثر انفتاحاً على المهاجرين) ترمي عادة إلى تعديل قوانين الهجرة وأنسنتها وتحريرها من أي قيود، طالما كانت أسواق كندا ومؤسساتها الإنتاجية والثقافية محكومة باللجوء إلى أيدٍ عاملة من المهاجرين، وعقولهم المتخصصة وكفاياتهم ومهاراتهم وصولاً إلى حدّ استخدام أساليب الترغيب والإغراء لاستقطابهم.

تقول هيلين بلليران، أستاذة الدراسات السياسية في جامعة أوتاوا، إن كندا استقبلت خلال العام 2016 وفي شكل «لا سابق له» 61 ألفاً من الطلاب المهاجرين، وهي تسعى إلى إغرائهم بشتى السبل للبقاء في البلاد بعد إنهاء دراساتهم الجامعية.

أما حكومة كيبيك فيبدو أنها تنتهج سياسية مرنة حيناً وانتقائية حيناً آخر. وتلفت وزيرة الهجرة والمجموعات الثقافية كلوديت فرادت إلى أنه «من الوهم الاعتقاد بأن نكتفي بفتح أبوابنا أمام المهاجرين، وإنما ينبغي قبل ذلك أن نعرف الاتجاهات والخيارات التي تحتاجها مرافقنا العامة والخاصة. بمعنى أن يكون المعيار الأساس للهجرة قائماً على اجتذاب الفئات الأكثر تأهيلاً ومعرفة وخبرة وإمكاناً للتأقلم». وأوردت على سبيل المثال أن كيبيك تختار من بين ثلثي المهاجرين إليها حوالى النصف ممن يجيدون اللغة الفرنسية، ومعظم هؤلاء من الوافدين من أفريقيا الشمالية وأوروبا والشرق الأوسط وأميركا اللاتينية...

ويوضح فرانــسوا كريبو، أستاذ القانون الدولي وباحث في شؤون الهجرة في جامعة مونتريال، قائلاً: «كما نحن في حاجة إلى الكـــفايات الـــعلمية والتكنولوجية الرفيعة، نحتاج أيضاً إلى مهنيين مهرة». ويذهب إلى أبعد من ذلك مضيفاً: «نحن في حاجة ماسة إلى عمال عاديين حتى وإن كانوا لا يتمتعون بإقامة شرعية، للعمل في مهن يعتبرها الكنديون وضيعة كالعمل في المطاعم أو الفنادق. وتشكّل في نهاية الأمر صدر دخل كبير للاقتصاد الوطني».