فون ترير المطرود من فردوس «كان» يعود على متن جحيمه الخاص

كان (جنوب فرنسا) -إبراهيم العريس |

قبل سبع سنوات، وفي واحدة من مزحاته الثقيلة الوطأة، روى المخرج الدنماركي لارس فون ترير خلال المؤتمر الصحافي المخصّص يومها لفيلمه «ميلانكوليا»، كيف أنه كان يعتقد نفسه يهودياً حتى أسرّت له أمه بأنه في الحقيقة ابن غير شرعي لجندي نازيّ. وختم المخرج كلامه يومها بالقول: «إذاً، أنا نازي، وبالتالي قد أتفهم ما فعله هتلر!». حين قال فون ترير هذا، لم يكن يقدّر سطوة اللوبي المعادي لهذا النوع من المزاح في فرنسا، فقامت الدنيا عليه ولم تقعد، حتى اضطرت إدارة المهرجان إلى طرده من فردوس «كان»، وإعلان حظر مشاركته في أيّ من الدورات المقبلة. فحمل فيلمه ورأسه الحليق، وعاد إلى بلاده على متن شاحنته الشهيرة، مكللاً بلعنات أصدقائه قبل أعدائه.


اليوم بعد السنوات، ها هو فون ترير يعود إنما بمظهر شديد الاختلاف: شعر طويل على طريقة سنوات الستين، نظارات عالم كيمياء حكيم، ابتسامة وديعة وصمت مدهش. قُبل فيلمه الجديد في المهرجان شرط أن يُعرض خارج المسابقة، من دون مؤتمر صحافي أو أي تصريحات، وخصوصاً من دون أي مزاح. قَبِل فون ترير تلك الشروط، وكانت النتيجة أن فيلمه كان المفاجأة الوحيدة الكبيرة و «الحرزانة» في هذه الدورة حتى الآن! فـ «البيت الذي بناه جاك» ليس كباقي الأفلام، وهو لا يشبه أياً من أفلام المخرج السابقة، ويتفوق حتى على «راقص في الظلام» الذي أعطاه أجمل سعفة ذهبية العام 2000، وإن كان يشاركه في كونه فيلماً أميركياً على غرار معظم أفلام المخرج الدنماركي... حتى الآن.

جديد فون ترير الذي يبدأ كفيلم أميركي ينتمي إلى سنوات السبعين، ويتحدث عن سفّاح سيقال لنا لاحقاً أنه قتل ستين شخصاً قبل أن يبدأ سلسلة جرائم جديدة أمام أعيننا المشدوهة، يتحوّل في نهايته إلى ما يشبه الغوص في جحيم دانتي في مشاهد مدوّخة لا تنتمي إلى أي سينما معروفة إطلاقاً. وليس التشبيه بجحيم دانتي رمزياً هنا بل هو منطقي بالنظر إلى أن رفيق جاك في رحلته الجهنمية لن يكون سوى فرجيل معاصر. نفهم منذ البداية أن جاك يروي له حكايته، حكاية تلك الجرائم التي لا يبحث من خلالها إلا عن تحقيق الجريمة الكاملة، وإن كانت الضحايا زوجته وطفليه، وحتى إن كان يقتل أحياناً مكرهاً لا بطلاً. فالقتل بالنسبة إلى هذا المهندس الفنان ليس سوى نوع من الفنون الجميلة يمارسها تماماً كما يبني بيته قطعة قطعة، ويتحدث عنها كما يتحدث عن تاريخ الرسم والحضارة والعمران، هو الذي يسعى إلى معرفة الفرق بين العمراني والمهندس، فيفشل حتى يوضح له فرجيل الأمور، ويُعلمه أن البيت المثالي لا يمكن أن يشيد بالحجارة أو بالأعمدة الخشبية بل بالجثث التي راكمها.

ويُبنى البيت فعلاً ليكون طريق الاثنين معاً إلى ذلك الجحيم... الجحيم الذي يعود به فون ترير إلى فردوس مهرجان «كان» بعد غياب، مقدّماً وسط صمته الغريب فيلماً كبيراً أقل ما يقال عنه أنه يعيد اختراع السينما، وربما يقول في طريقه أن السينما الكبيرة إنما تُصنع من الصمت لتصل، كالجريمة الكاملة، إلى أسمى درجات الفنون الجميلة، عابرة في طريقها كل تلك الفنون على شاشة متواطئة، مدهشة أحياناً، ومذهلة غالباً... في عمل من الجيّد أنه لم يدخل لعبة التباري على السعفة الذهبية لأنها أصغر من أن تُعطى له!