أفلام كثيرة تستحق الفوز في «كان» والمفاجآت الجيدة ممكنة كما السيئة!

المخرج التركي نوري بلغي جيلان وزوجته في «كان» (رويترز)
كان (جنوب فرنسا) - إبراهيم العريس |

قال الناقد الفرنسي الصديق مبتسماً لدى انتهاء عرض فيلم اللبنانية نادين لبكي «كفارناحوم» المشارك في المسابقة الرسمية للدورة الحادية والسبعين لمهرجان «كان» السينمائي الدولي: «هذا فيلم فيه من السطحية والديماغوجية ما يؤهله حقاً للفوز بالسعفة الذهبية لهذه الدورة».


لم يكن صاحبنا يمزح لأن صاحبة «كاراميل» و «هلق لوين» تمكنت هذه المرة، على رغم افتقار الإخراج إلى الإيقاع، والسيناريو إلى المنطق، والـ»كاستنغ» (الممثلون) إلى الإقناع، من أن تحقق عملاً يجمع كل كليشيهات حقوق الإنسان بالمعنى الراهن والرائج للكلمة، ما يمكّنه من أن يكون ذا حظوة لدى لجنة تحكيم نسائية طيبة ترأسها ممثلة كبيرة عُرفت بنضالاتها النسوية والمتعلقة بحقوق الإنسان.

ونعرف أنه عادة ما يُضحّى من أجل الغايات الإنسانية النبيلة المشتركة، بالبعد السينمائي. ففي فيلم يحاول أن يجمع قضية المرأة والمهاجرين وزواج القاصرات واضطهاد المتسللين واستغلال الطفولة والتحرش الجنسي، ونصف دزينة أخرى من القضايا الراهنة في عالم اليوم، هل تعود اللغة السينمائية والحس الفني السليم أمرين مهمين؟ بالتالي لن يكون مدهشاً أن نفاجأ بربح ما أو حتى بربح كبير لـ «كفارناحوم» هذا المساء. لكن الشيء المثالي سيكون بالتأكيد ذهاب جائزة ما إلى الفتى لاعب الدور الأساس في فيلم حوّل بيروت إلى مدينة صفيح قذرة من المستحيل التعرف إليها، كان هو الشيء الجميل الوحيد فيه.

بكلام أكثر جدية يمكن القول، على غير العادة في السنوات الـ»كانيّة» الأخيرة، إن ثمة عدداً لا بأس به من أفلام سيتنافس على جوائز لجنة التحكيم وتنويهاتها مساء اليوم. ولئن كانت الترشيحات ستظل ناقصة عند كتابة هذه السطور بالنظر إلى أن واحداً من أكثر أفلام المسابقة الرسمية انتظاراً، هو التركي «الإجاص البري» للفائز مرات عدة نوري بلغي جيلان، لم يُعرض إلا في الساعات الأخيرة، فإن التحفظ تجاه الحديث عن حظوظ هذا الفيلم لن يمنعنا من القول إن الأفلام التي نراها جديرة بالفوز كثيرة. ونقول «نراها» لأن المسألة، من جديد، مسألة تقدير شخصي من الصعب القول إنه سيتطابق بالضرورة مع تقديرات لجنة الفنانة كيت بلانشيت، أو مع اختيارات النقاد. وعلى هذا النحو، نورد هنا تقديراتنا مع شيء من المجازفة المسلية، مؤكدين مرة أخرى أن مسألة التقديرات هذه لعبة لا بد أن نلعبها مرة في العام، وتنم دائماً عن أمنياتنا أكثر مما تنم عن توقعات من الصعب التحكم بنتائجها.

جائزة التمثيل النسائي قد تكون من نصيب بطلة فيلم «الحرب الباردة» الشابة الرائعة جوانا كوليغ، إن لم يفز فيلم بافيل بافيلكوفسكي البولندي هذا بالسعفة الذهبية التي يستحقها فعلاً، وقد يفوز في شكل أكثر منطقية بالجائزة الكبرى، ثانية جوائز المهرجان وتعطى عادة لفيلم تفوق قيمته الفنية قيمة فيلم «السعفة الذهبية».

وقد ينافس «الحرب الباردة على السعفة الفيلم الياباني «سارقو الحوانيت» الذي يستحق بطله فرانكي ليلي جائزة أفضل تمثيل لفئة الممثلين الرجال. وفي سياق ترشيحاتنا للسعفة، نجد أيضاً «الصيف» الروسي، ومن دون ريب الإيطالي «لازارو السعيد» لأليس رورفوشر. وفي يقيننا أن هذه الأفلام بالذات ستتقاسم بقية الجوائز مضافاً إليها فيلم ستيفان بريزيه «في الحرب» وبطله فنسان ليندون.

هنا إزاء هذه التوقعات قد يتساءل المرء: إذاً أين الكبير جان لوك غودار وفيلمه المتباري الذي اعتبره كثر من النقاد الأكثر جدية تحفة سينمائية حقيقية؟ فيلم جدير بالفوز بالتأكيد، لكن مشكلته أنه مثل معظم أفلام غودار في السنوات الأخيرة- وكما يجب أن يكون كل فن حقيقي على أي حال- فيلم يقسم ولا يجمع. ومن هنا نستبعد أن تكون لجنة تحكيم هذا العام من الحصافة والسينمائيّة إلى درجة تدرك معها أهمية هذا الفيلم، إن لم يكن سياسياً، ففي مجال تجديد اللغة السينمائية على الأقل.

أما الإيراني أصغر فرهادي الذي «نُسي» فيلمه الإسباني «الكل يعرف» الذي افتتحت به دورة المهرجان، فعليه هو، المعتاد على الفوز، أن يكتفي هذه المرة إما بالتقدير المعنوي، أو بفوز صغير (السيناريو مثلاً)، فيما قد يفوز مواطنه جعفر باناهي فوزاً يكرّم «شجاعته»، ويتحدى جلاديه الذين يمنعونه من مغادرة بلاده، وهي حال زميله الروسي كيريل سيريبرينيكوف صاحب «الصيف» الذي لن يكون منطقياً خروجه من المولد بلا حمّص!

في النهاية كل هذه «التوقعات» بالنسبة إلينا لعبة نعود لخوضها مرة كل عام، ولن يفاجئنا أن حساب الحقل لن ينطبق على حساب البيدر، ففي النهاية يتعلق الأمر بمزاج لجنة تحكيم من عدد محدود من أعضاء، وبفهمهم السينمائي الذي غالباً ما يكون مختلفاً عن فهمنا.