رمضان شهر العزّة والنصر

علي عفيفي علي غازي |

يعتقد الكثيرون أن شهر رمضان قد جعل للنوم نهاراً؛ والسهر أمام أجهزة التلفاز ليلاً؛ يتنقلون من مسلسل إلى آخر، في الوقت الذي تتبارى فيه القنوات لاجتذاب أكبر قدر من المشاهدين، والضحية في النهاية الصائم الذي يضيع أجر صيامه؛ لأنه أضاع وقته في غير ذكر الله عز وجل، ولم يصب شيئًا من القيام والصلاة، فما لذلك جعل شهر رمضان؛ بل إنه شهر العزة والنصر الذي ينتصر فيه الصائمون على أنفسهم وشهواتهم، لأن الإيمان بالله أقوى سلاح، لنصل في نهاية الشهر الكريم إلى الغاية التي أرادها الله سبحانه وتعالى من الصيام وهي التقوى، التي عرفها الإمام الجليل علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والاستعداد ليوم الرحيل، فإذا ما توافرت هذه الصفات الثلاث في شخص كان من أهل الجنة.


كما يجب ألا ننسى أن في ذلك الشهر الكريم قد اتصلت الأرض بالسماء بأول خيط من النور القرآني، فقد ابتدأ نزول القرآن على سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم)، وهو في غار حراء بأول آية من الكتاب العزيز تأمر بالقراءة، وتدعو إلى العلم، وتسمو بالمعرفة، في دعوة صريحة لكي لا يتخذ هذا الكتاب العزيز مهجورًا.

وكان من هدي النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يجتهد في هذه العشر بالعمل أكثر من غيرها، ففي صحيح مسلم عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره»، واعلم أن ليلة القدر يفتح الله فيها باب القبول، ويقرب فيها المحبين، وباب التوبة فيها مفتوح، وعطاء ربك ممنوح، فمتى تجد وتعمل إذا لم تعمل في هذه الأيام، إنها فرصة لا تتكرر ولا تعود، فإنك لا تعلم هل ستعيش إلى عام قادم أم لا، فهل من مجتهد حريص.

وفي دليل على أن شهر رمضان لم يوجد للنوم والأكل فقد سجل تاريخ الأمة الإسلامية الطويل الكثير من الانتصارات التي أحرزها المسلمون على أعدائهم في ذلك الشهر العظيم، وكانت فاتحة هذه الانتصارات غزوة بدر الكبرى، التي حدثت في السنة الثانية للهجرة في السابع عشر من رمضان، تلك الغزوة التي كانت أول انتصار للإسلام على قوى الشرك والباطل، وفي السنة الخامسة للهجرة تمت الاستعدادات لغزوة الخندق أو الأحزاب في شهر رمضان، ووقعت الغزوة في شوال، وفيها انتصر المسلمون على أعدائهم المشركين، وفي السنة الثامنة للهجرة أنعم الله على رسوله وعلى المؤمنين بفتح مكة في شهر رمضان، وفي السنة التاسعة للهجرة شهد شهر رمضان أحداث غزوة تبوك، وفي السنة العاشرة بعث الرسول (صلى الله عليه وسلم) في شهر رمضان الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في سرية إلى بلاد اليمن، وحمل معه كتابًا نبويًا إلى قبيلة همدان التي أسلمت كلها في يوم واحد وصلوا جميعًا خلف الإمام علي رضي الله عنه.

كما شهدت القرون التالية الكثير من الانتصارات والفتوحات التي قام بها المسلمون في شهر رمضان، ففي سنة 53هـ فتح المسلمون جزيرة رودس في البحر المتوسط، وفي سنة 91هـ نزل المسلمون على الشاطئ الجنوبي لبلاد الأندلس، وغزوا بعض الثغور الجنوبية، وفي السنة التالية انتصر القائد المسلم طارق بن زياد على الملك فريدريك الإسباني في معركة شريش، وفي رمضان 129هـ تم سقوط الدولة الأموية واستولى أبي العباس السفاح أول خليفة عباسي على دمشق، وفي سنة 361هـ تم بناء الجامع الأزهر بالقاهرة ليكون منارة الإسلام عبر العصور، وفي سنة 584هـ أحرز صلاح الدين الأيوبي انتصارات كثيرة على الصليبيين حتى استخلص منهم معظم البلاد التي كانوا قد استولوا عليها، وأشهر تلك الانتصارات انتصاره على قلعة صفد الحصينة التي دخلها منتصف رمضان بعد معركة طاحنة، وفي رمضان 658هـ هزم المماليك بقيادة قطز التتار في معركة عين جالوت وأوقفوا الزحف الدماري التتاري نهائيا على باب مصر، وتتوجت تلك الانتصارات في انتصار العاشر من رمضان 1393هـ، السادس من أكتوبر 1973م الذي قهر فيه الجيش المصري الجيش الإسرائيلي بعدما ظن أنه لا يقهر وحرر أرض مصر من العدوان الغاشم.

وفي كلمة أخيرة أتمنى من كل صائم أن يلتزم بآداب رمضان وسلوكياته طوال السنة تأكيدًا لقول الرسول (صلى الله عليه وسلم) «لو علمت أمتي ما في رمضان لتمنت السنة كلها رمضان»، وأدعو الجميع لاغتنام ليلة القدر التي عظمها وشرفها الحق، لكي نتذكر نعمة الله علينا بإنزال القرآن الكريم فيها هدى للناس إلى ما فيه خير دنياهم وآخرتهم، وقد كرمها الله بأن جعل قيامها بالذكر والصلاة والعبادة وتلاوة القرآن والدعاء والتضرع والبكاء خير من ألف شهر، وكل عام وأنتم بخير وأعاده الله عليكم بالخير واليمن والبركات.