«مو حزن ... لكن حزين»

فاتنة الدجاني |

«مو حزن... لا مو حزن... لكن حزين».


يكاد هذا البيت من شعر مظفر النواب يختزل الحالة الفلسطينية هذه الأيام. يُعبر عن ذلك الشعور بالانقباض الذي تحسه عند الفقد، ولا يمكن وصفه إلا بالحزن، ذلك الحزن الذي يدمي القلب.

كيفما قلّب الفلسطيني أحواله، لا يجد ما يَسُر. هل يحزن على من غُرر بهم، وسيقوا إلى حتفهم في غزة بوعود كبيرة مبهمة نسفها الفشل في التخطيط والتنفيذ... وما تسرّب عن «صفقات»؟ أم على حركة مقاومة أصبحت «طلّابة سلطة» وانتقلت إلى مرحلة السيولة، أم بسبب الانقسام الذي سيستكمل الإجهاز على القضية، أم خداع الإدارات الأميركية والغرب طوال ربع قرن من «عملية سلام» أتت على الأخضر واليابس، أم محاولات تمرير «صفقة القرن» الأميركية للسلام؟

هل يحزن الفلسطيني على عجزه عن منع الاعتراف الأميركي بالقدس «عاصمة لإسرائيل»؟ أم يحزن وهو يشاهد احتفال افتتاح السفارة الأميركية، في إطار النسخة الجديدة من «وعد مَن لا يملك لمَن لا يستحق». في الاحتفال، حضرت العصابة الصهيونية. من خطَّط ومن مهّد ونفّذ وموّل وبارَك. وحضر كل الكليشيهات الصهيونية عن القدس. تكلّم مستشار الرئيس الأميركي جاريد كوشنير عن الرغبة في العمل من أجل السلام، (أي سلام!) والرعاية الإسرائيلية للقدس وفتحها أمام كل الأديان. نسي كوشنير أن يشير إلى أن أهل الضفة الغربية، مسلمين ومسيحيين، لا يمكنهم الوصول إلى المدينة المقدسة إلا بتصاريح في مناسبات محدودة، فيما المدينة شبه ممنوعة على أهل غزة. أما رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتانياهو، متناسياً ما يقترفه جيشه على الجهة الأخرى، فجلس مزهواً مبتسماً. على الأرجح كان يمر في باله أنه نجح في إبعاد شبح ملاحقته بقضايا فساد، ولو إلى حين! ثم ذاك التصفيق المتواصل الذي بات يصاب بعدواه كل مَن يكون في حضور مسؤول إسرائيلي. هل تذكرون التصفيق وقوفاً في الكونغرس 32 أو 60 مرة أثناء خطاب نتانياهو قبل أشهر؟

ولكن، ثمة أبواب للأمل دائماً. ربما نجده في فيديو وُزع على مواقع التواصل الاجتماعي لفلسطينية تسكن قرب مقر السفارة الأميركية في القدس. هذه السيدة رفعت صوت تلاوة القرآن عبر مكبرات صوت في ساحة بيتها للتشويش على الاحتفال بالسفارة، فقاومت على طريقتها الغطرسة الأميركية، ونغّصت على المحتفلين فرحتهم. قد لا يعني تصرفها شيئاً في واقع نقل السفارة، وقد يكون الفيديو مركّباً، لكنه يحمل معنى مضمراً عن العزيمة والمقاومة... والصمود.

والأمل لا يأتي من أهل فلسطين وحدهم، بل من كل مَن يقف مع القضية الفلسطينية باعتبارها معياراً لـ «الموقف الأخلاقي والديني والإنساني والحقوقي». كما يأتي من المثقف حين يرفض تهميشَه ولا يترك الساحة للسياسيين والتجار والفاسدين. صحيح أن «الربيع العربي» وقضاياه شغلت المثقفين وهمّشت قضية فلسطين، حتى أن كثراً اعتقدوا أن القضية انتهت، لكن الواقع غير ذلك. مرة أخرى، قُل لي كيف تُحل قضية فلسطين، أقُل لك كيف سيكون مستقبل المنطقة.

ردود فعل يهود من تجمعاتهم حول العالم واحتجاجاتهم على عدوانية إسرائيل أمام متظاهرين عزل، تمنح الأمل معنى إضافياً. لم يكن متوقعاً أن يأتي حجم التفاعل والتأييد كبيراً بهذا الحجم لموقف الرائعة الممثلة الأميركية اليهودية ناتالي بورتمان، بطلة فيلم «الإوزة السوداء»، بعدما رفضت جائزة إسرائيلية بمليون دولار احتجاجاً على «الأحداث المؤلمة» على حدود غزة. فسريعاً، امتلأت مواقع التواصل الاجتماعي بمقالات التأييد، وبتوقيع أسماء كبيرة لناشطين ومثقفين يهود من حول العالم، شدّوا على يدها، وذهب بعضهم إلى دعوتها إلى مواقف أكثر صرامة. وعلى وقع أحداث غزة ونقل السفارة، انتظمت تظاهرات احتجاج في نيويورك وواشنطن الأسبوع الماضي. هذا الموقف اليهودي المتبلور يستدعي وقفة تأمل.

صورة الوضع الفلسطيني قاتمة ولا تُطمئن. لكن الحزن وحده لا يكفي. دعونا نفكر معاً.