مسيرة العودة الكبرى: نُصرتُ بالرعب

موسى برهومة |

الرعب الذي شكلته «مسيرة العودة الكبرى» لإسرائيل، يوحي بدلالات عميقة لا يتعين القفز عنها، فقد حاولت تل أبيب بكل ما أوتيت من قوة ومن اتصالات دبلوماسية أن تجهض المسيرة التي تكللت في الذكرى السبعين ليوم النكبة بسقوط أكثر من ستين جريحاً، يضافون إلى الشهداء السبعة والثلاثين الذين سقطوا منذ انطلاق المسيرة في «يوم الأرض».


ومن دلالات الرعب الإسرائيلي، لجوء دولة الاحتلال الصهيوني إلى أساليب شتى لكسر المقاومة الشعبية السلمية التي انطلقت من غزة باتجاه السياج الحدودي، مع ما ترافق من شعارات حملها المتظاهرون العزّل الذين رفعوا مفاتيح بيوتهم وبياراتهم في فلسطين التاريخية التي احتلت في العام 1948. وقال المتظاهرون بصوت واحد: عائدون.

ومن بين الأساليب التي عبّرت عن الرعب الإسرائيلي، اللجوء إلى وسائل القمع العنيفة المتمثلة في الأسلحة المتفجرة، المحرّمة دولياً، التي تُحدث جروحاً عميقة في جسد المقاومين، بحيث يستعصي على أغلبهم العلاج والتشافي، وهو ما رفع أعداد الشهداء، وجعل الجرحى بالآلاف. أضف إلى ذلك استخدام قنابل الغاز التي تصيب العشرات في آن واحد، وتحدث الاختناق وعدم القدرة على التنفس، كما تتسبّب بنوبات تشنج عنيفة وإجهاد عام مترافق مع قيء وسعال شديد، وسرعة بدقات القلب.

وعلاوة على هذين السلاحين المحرميْن دولياً، لجأت حكومة الاحتلال، في غمرة رعبها من «مسيرة العودة» إلى تطوير طائرة مُسيّرة قاذفة قنابل الغاز ومجهزة بـ 6 قنابل مسيلة للدموع، كما أفادت وسائل إعلام فلسطينية، بحيث يمكن التحكم بها وإطلاق قنبلة منفردة أو أزواج أو القنابل الست في الوقت نفسه.

واستعانت حكومة الاحتلال بالمنشورات التحريضية ضد المتظاهرين، واخترقت حسابات ناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي لبث دعاية مضادة بهدف وأد المسيرة، كما أرسلت رسائل مفبركة إلى هواتف منظمي المسيرة وسائقي مركبات النقل لخلق فوضى وإرباك في صفوفهم. وراحت بعد ذلك تهدد شركات النقل بفرض عقوبات على أصحابها بغزة، للحد من وصول المشاركين إلى شرق القطاع.

وتحول الناطقون باسم الحكومة وجيش الاحتلال إلى وعّاظ ونشطاء بيئيين، فأطلقوا وصف «الخوارج» على المتظاهرين، في حين استعان بعضهم بأحاديث نبوية للتذكير بأهمية الحفاظ على البيئة في أعقاب إحراق آلاف إطارات السيارات في «جمعة الكاوتشوك». وكان هدف المتظاهرين من ذلك حجب الرؤية عن جيش الاحتلال كي لا يصطاد برصاصه المميت أجساد المشاركين في المسيرة.

قدّم الفلسطينيون ما يناهز المائة شهيد، من بينهم أطفال، ومعاقون مثل البطل الفلسطيني فادي أبو صلاح الذي تحوّل إلى أيقونة، بعدما شارك في مسيرة أبناء شعبه بكرسيه المتحرك. وبجوار هؤلاء الشهداء الذين ارتقوا إلى العلاء، ثمة آلاف الجرحى، وما لا يحصى من دمار، جعل الرعبَ الإسرائيلي يتحوّل إلى هستيريا، وهو ما عكسته تصريحات الناطقة باسم الحكومة الإسرائيلية: «نحن نطلق النار على الفلسطينيين، لأن أعدادهم كبيرة بالمئات، وليس لدينا سجون تستوعبهم»، في اعتراف يعكس الوجه الهمجي لكيان أراد دونالد ترامب تجميل قبحه، فأشعل حرائق لن تنتهي، وكرّس حالة عداء مستحكم بين قوة باطشة تؤيدها «شرعية» مارقة، وبين شعب أعزل من كل شيء إلا من حقه التاريخي في وطنه الممتد من البحر إلى النهر، ومن رفح إلى الناقورة.

وكي يستمر الرعب الإسرائيلي الذي عمقته «مسيرة العودة الكبرى»، يتعين على الناشطين الفلسطينيين أن يواصلوا المقاومة الشعبية بأشكال مبتكرة كالتي قدموها في الأسابيع السابقة، وأن يستثمروا في حالة التعاطف معهم من قبل أحرار العالم الذين زادتهم الأحداث الأخيرة يقيناً بأن إسرائيل كيان خارج عن القانون.

الوفاء لدماء الشهداء، وآلام الجرحى، يكون بمواصلة مسيرة الرعب، وعدم رهنها للون سياسي محدّد، والحفاظ على سلميتها، وإرهاق دولة الاحتلال، واستنزافها نفسياً، والتمسك بشعار العودة، فليس أبلغ منه في تكدير «صفاء» الاحتلال، وتذكيره المستمر بأنه عابر وطارئ، وإلى زوال!

* كاتب وأكاديمي أردني