نهر آيسيل الهولندي حين يدفّئ برد الغربة

نهر آيسيل الهولندي (الحياة)
امستردام - حازم درويش |

على الطريق من مدينة أرنهم إلى زفولا تغيب شمس نهار يوم عيد الملك. في أرنهم احتفلت صحبة صديقين أليفين وأصدقائهم بهذا العيد وها أنتم هذا المساء تعودون معا، أنت إلى زفولا وهما إلى حاتم الصغيرة. الملك نفسه لربما أيضا غادر خرونغين إلى قصره. المغنية الهولندية كلوديا غردت على «تويتر» بعد الظهر أن شمساً برتقالية اليوم عادت لتشرق في قلبها من جديد، مع ظهور العائلة الملكية الهولندية الأليفة ذات اللقب البرتقالي في خرونغين شمال هولندا. أنا أيضاً.


لا تسترسل كثيرا في التفكير في يومك الذي أمضيته بل تروح تقرأ اسم مدينتك على اللوحات الطريقة الزرقاء وتفكر في البيت. تستغرب كيف ألفت المكان. تفكر أيضاً في حاتم مدينة صديقيك الصغيرة. حاتم قريبة جداً من زفولا يفصلها عنها خط أزرق صغير يدعى نهر آيسيل. هو خط صغير لكنه اتسع ولا يزال لكل حكايا السلام والأمن التي تعيشها هنا.

آيسيل يعرف كل هذه الحكايا، لا يحتاج لأن ترويها له أو أن تسأله عنه. عما قليل حين ستمر بالسيارة من فوق جسره القديم والغابة الإنكليزية الصغيرة على يساره سيتذكرك النهر جيداً حين وقفت للمرة الأولى قبل أكثر من سنتين في هذه الغابة الصغيرة هنا أمام النهر هنا، ضائعاً وغريباً، ومحاولاً أن تبتعد عن الأجواء الخانقة لمخيم اللجوء الأول في زفولا.

في ذلك اليوم قرب النهر كنت تشعر بأثقال كثيرة على كتفيك. أثقال لا يترجمها شيء سوى الأسى والقلق. الأسى لكل ما خلفته وراءك وما تعيشه و القلق على ما ينتظرك بعد. تحاول الهرب من هذه الأثقال بالنظر إلى أزرق النهر لتستجمع صورتك في مرآته. لتجد في مائه إجابات مطمئنة عن كل مخاوفك. في البداية النهر لا يجيب عن أي سؤال، لكنه لاحقا سيفعل.

للمرة الأولى مع أول أصدقائك الهولنديين الذين تعرفت اليهم خلال أحد النشاطات التي نظمتها (الكوا) التي ترعى شؤون اللاجئين. في لقائكم الأول ورداً على أسئلة كثيرة منهم تجرأت بنزق وأسى على أن تكشف كل ما عشته من أهوال حتى وصلت وجهتك.

كنت منهكاً من محاولاتك اليومية المضنية لحماية نفسك من كل ما خلفته وراءك. ولم تجد مهرباً من رمي الإجابات واضحة وصريحة على كل أسئلتهم. حتى اليوم يدهشك كيف أن الهولنديين ومنذ أول لقاء بينكم يطرحون أسئلة ويحاولون استكشاف هويات واستخلاص أحكام لن نتجرأ نحن السوريين على طرحها أو محاولتها مع أناس جدد إلا بعد شهور من تعرفنا اليهم.

حاولوا طمأنتك إلى أنهم ليسوا في وارد محاكمة أحد، بل هذه كانت طريقتهم لعرض المساعدة وأن هذه البلاد تصون حقوق الناس وحرياتهم. لاحقاً، و لما رأوه من ظروف المخيم الصعبة، أخذوا بيديك إلى خارج المخيم، إلى بيتهم الأليف بالقرب من زفولا، مع عائلتهم الصغيرة أو مع بعض أصدقائهم. لكن ولأن أثقالك ومخاوفك في ذلك الوقت كانت أكبر من أن تستطيع بسلام مقابلة أناس جدد غالباً ما خرجتم في نزهات صامتة قرب آيسيل أو على ضفافه في مدينة زفولا بداية لكن لاحقاً أيضا في مدينة كامبن حين انتقلت إلى المخيم الجديد بالقرب من هذه المدينة.

طويلاً في مشاويركم قرب النهر بقيت عاجزاً عن مبادلتهم الأحاديث بيسر أو الثقة بهم وبكل الألفة التي كانوا يحاولون خلقها معك. من هذا العجز القلق كنت تهرب ببصرك إلى ماء النهر، محاولا الثقة بمائه وبهذه البلاد وبأن تجد نفسك في مرآة ماء النهر.

ماء النهر الذي بت تهرب إليه وحيدا أو مع هؤلاء الأصدقاء نهاراً حيث السفن الصغيرة تمخر بهدوء ماء النهر الذي يعكس بأمانة تفاصيل السماء، والقطار الأزرق الصغير على ضفته يأتي من محطة زفولا ويعود إليها، أو ليلا حيث أجراس الكنائس العتيقة تدق بحنو كأنه يربت على كتفيك، وأضواء نوافذ المنازل الصغيرة تتماوج على صفحة ماء النهر فتضيء أملاً صغيراً في قلبك.

مع هؤلاء الأصدقاء ومع آيسيل كامبن بدأت مخاوفك تهدأ ببطء، وبدأت لاحقاً تثق بنفسك وبالهولنديبن وبمستقبلك في هذه البلاد. الماء كان يبذل كل ما بوسعه ليطمئنك، كل مرة أكثر. حتى اليوم لا يزال يفعل! حين وقفت في يوم بارد بقرب النهر تائها بالكامل بعد تحقيق الإقامة المنهك أخبرتك صديقتك أنها تشعر أنك ستجد مكانك الذي تنشده بالقرب من آيسيل. كثيراً ما وقفت بقرب الماء، فكرت في جملتها وتساءلت إن كان ذلك سيكون حقيقة يوما ما.

آيسيل كان صادقاً معك أيضا في مدينة دفنتر التي يمرّ النهر في وسطها غير بعيد جدا عن منبعه. عشت هناك أيضا لحظات ممتنة نادرة بالقرب من النهر مرّات. ومرّات على قارب صغير يتنقل بين ضفتيه ليصل طرفي المدينة وناسها بعضهما ببعض. صباح اليوم وأنت تعبر فوق جسر الهانز على النهر في طريقك من زفولا إلى مدينة حاتم، تنقل بصرك بين جهتي آيسيل، الماء الآتي من دفنتر جنوباً، ذلك الذاهب إلى كامبن شمالاً وهذا الذي يمر بين ضفتي زفولا وحاتم. تذكرت جملة صديقتك، تذكرت كل ما عشته و لا زلت تعيشه مع هذا النهر. ما أصدقك يا آيسيل!

مساء عيد الملك وأنت تفكر في هذا كله تصل بك سيارة صديقيك ماء النهر قبل زفولا بقليل. الماء مظلم لكن ضوء برج الكنيسة الباسيلية القريب والشمس البرتقالية الصغيرة التي أشرقت نهار اليوم في قلبك وقلب كلوديا وصدق آيسيل وناسه ومدنه تحيل ظلمة الماء زرقاء، فتبتسم. الماء الشاهد صدق وعده معك بمكانك ومكانتك حوله، وأنت تثق بأنه لا يزال لديه الكثير من الحكايا الصادقة ليخبرك إياها.